وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب…تمويه عزيز أخنوش الحزبي،هل هو الطريق الهادئ نحو ولاية حكومية ثانية؟

 

قبل خمسة أشهر بالتمام والكمال من موعد 23 شتنبر 2026، لا تبدو الساحة السياسية في المغرب مجرد فضاء تنافسي تقليدي، بل أقرب إلى رقعة شطرنج تُحرَّك فوقها القطع بهدوء، فيما تُحسم المعركة في مستويات أعمق.

في قلب هذه الرقعة، يبرز اسم عزيز أخنوش، لا كفاعل ظرفي، بل كمهندس لمرحلة تُصاغ ملامحها على مهل… وبحساب دقيق.

من الخارج، يبدو أن الرجل غادر واجهة حزب التجمع الوطني للأحرار، تاركًا القيادة لـمحمد شوكي. لكن خلف هذا الانتقال الهادئ، تتشكل قراءة مختلفة تمامًا:

ليست مغادرة… بل تمويه سياسي محكم

واجهة تتغير… ومركز لا يتحرك

التحولات الكبرى لا تُعلن نفسها بصخب، بل تتسلل عبر تفاصيل تبدو عادية. اختيار قيادة جديدة للحزب لم يكن لحظة صراع، بل لحظة ضبط إيقاع. الواجهة تتجدد، نعم… لكن مركز الثقل يظل ثابتًا.

هنا، تتضح معادلة دقيقة:

حزب بوجه جديد أقل استهدافًا

ورجل دولة يتحرر من عبء التنظيم اليومي

إنه فصل محسوب بين الصورة والمسؤولية، بين من يتلقى الضربات ومن يدير التوازنات.

ما يقوله النص… وما يتيحه الهامش

دستوريًا، المعادلة واضحة: رئاسة الحكومة تُمنح للحزب المتصدر للانتخابات، ليس بالضرورة لرئيسه. هذه القاعدة البسيطة تفتح بابًا واسعًا للمناورة السياسية.

بمعنى أدق:

يمكن لأخنوش أن يعود رئيسًا للحكومة، حتى وهو خارج القيادة الحزبية.

وهنا تحديدًا، يتحول ما يبدو انسحابًا إلى إعادة تموقع ذكية، تفصل بين الشرعية الانتخابية والقيادة التنظيمية، دون أن تفكك العلاقة بينهما.

رجل لا يقبل بنصف انتصار

من يعرف مسار أخنوش يدرك أنه لا يتحرك بمنطق التجربة القصيرة.

رئاسة الحكومة بالنسبة له ليست محطة عابرة، بل امتداد طبيعي لمسار يريد له أن يكتمل.

في هذا السياق، تحضر المقارنة الثقيلة مع تجربة حزب العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة لولايتين متتاليتين بقيادة عبد الإله بنكيران ثم سعد الدين العثماني.

هذه السابقة ليست مجرد رقم في التاريخ السياسي، بل سقف نفسي وسياسي.

والتوقف عند ولاية واحدة، في منطق التنافس، لا يُقرأ إلا كتعثر.

بالنسبة لأخنوش، الاستمرار ليس طموحًا فقط… بل تصفية حساب مع فكرة الهزيمة نفسها.

المال والسياسة… حين تتحول الإمكانيات إلى رسالة

بعيدًا عن الخطاب المعلن، يبرز معطى لا يمكن تجاهله:

الزخم الكبير لأنشطة الحزب في مختلف جهات المملكةو خارجها مؤخرا، من لقاءات جماهيرية إلى منتديات تنظيمية، بحضور لافت واستمرارية زمنية عالية.

هذا الحضور الكثيف لا يمكن فصله عن الإمكانيات المالية والتنظيمية التي تُسخّر له، والتي تُنسب، في جزء معتبر منها، إلى دعم وإشراف مباشر من أخنوش.

هنا، لا يتعلق الأمر فقط بالتمويل، بل بالدلالة السياسية:

الاستمرارية في الإنفاق تعني الاستمرارية في المشروع

والحضور المكثف يعني الاستعداد لمعركة طويلة

والقدرة على التعبئة تعكس ثقة في النتيجة المرتقبة

في السياسة، المال ليس فقط وسيلة… بل إشارة قوة.

وبالتالي، فإن ما يبدو كأنشطة حزبية عادية، يمكن قراءته كـاستثمار استباقي في معركة الولاية الثانية.

 

انتصارات صامتة… في الانتخابات الجزئية

 

وسط الضجيج السياسي والانتقادات التي رافقت الولاية الحكومية، هناك مؤشر غالبًا ما يُغفل في القراءة السطحية:

نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية.

خلال فترة قيادة أخنوش، تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تحقيق انتصارات متكررة في أغلب هذه الاستحقاقات، رغم أنها جرت في سياق ضغط سياسي وإعلامي مرتفع.

هذا المعطى يحمل دلالات عميقة:

قدرة الحزب على الحفاظ على قاعدته الانتخابية

فعالية آلته التنظيمية ميدانيًا

ونجاحه في تحويل الضغط إلى تعبئة، بدل أن يتحول إلى تراجع

الانتخابات الجزئية ليست مجرد محطات تقنية… بل اختبارات حقيقية لنبض الشارع.

وحين ينجح حزب في كسبها بشكل متكرر، فهو يرسل إشارة واضحة:

الآلة الانتخابية ما زالت تعمل بكفاءة.

خمسة أشهر… وسباق تحت السطح

مع اقتراب 23 شتنبر 2026، تتكثف المؤشرات، لكن دون ضجيج.

الحزب يعيد ترتيب صفوفه، والحكومة تواصل تدبيرها، بينما يتحرك الفاعلون في مساحات غير مرئية.

هنا، لا تدور المعركة حول البرامج فقط، بل حول:

من يمتلك القدرة على الاستمرار

ومن يستطيع تحويل الولاية الأولى إلى قاعدة، لا استثناء

تصريح منيب… إشارة أم قراءة معاكسة؟

في خضم هذا المشهد، أثار كلام نبيلة منيب حول احتمال تولي أخنوش وزارة الداخلية الكثير من الجدل.

لكن قراءة هذا التصريح لا يجب أن تكون حرفية.

هل هو توقع سياسي؟

أم محاولة لإعادة تأطير دور الرجل خارج رئاسة الحكومة؟

الاحتمال الأكثر إثارة يكمن في قراءة معاكسة:

حين يُطرح اسم أخنوش في موقع سيادي بحجم وزارة الداخلية، فذلك يعكس قناعة ضمنية بأنه لن يغادر دائرة القرار… مهما تغيرت المواقع.

وبصيغة أخرى:

قد لا يكون الحديث عن “تقلده منصبا جديدا”، بل عن تأكيد استمراريته، بشكل أو بآخر في منصبه.

نحو “حكومة المونديال”… الرهان الأكبر

بعيدًا عن الحسابات الحزبية، هناك رهان أكبر يلوح في الأفق:

كأس العالم 2030.

هذه اللحظة ليست رياضية فقط، بل لحظة دولة بامتياز.

ومن يقود الحكومة في تلك المرحلة، لن يكون مجرد رئيس حكومة، بل واجهة لمرحلة تاريخية.

وهنا تتضح الصورة أكثر:

أخنوش لا ينافس فقط على ولاية ثانية… بل على قيادة لحظة مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر.

الخيط الناظم: الاستمرار بأي صيغة

عند جمع كل الخيوط، تتشكل صورة واحدة:

خروج من رئاسة الحزب دون خسارة النفوذ

نص دستوري يتيح العودة من بوابة الحزب المتصدر

زخم مالي وتنظيمي يؤكد الجاهزية

دينامية انتخابية مثبتة عبر الجزئيات

منافسة سياسية لا تسمح بالتراجع

وسياق دولي يمنح المنصب بعدًا استثنائيًا

كلها عناصر تصب في اتجاه واحد:

الاستمرار… ليس خيارًا مطروحًا، بل هدفًا يُعاد تشكيل المسار كله من أجله.

خاتمة مفتوحة على الترقب:

في السياسة، أخطر التحركات هي تلك التي تبدو عادية.

وما يبدو اليوم كترتيب داخلي، قد يتحول غدًا إلى إعادة إنتاج كاملة لمعادلة السلطة.

يبقى السؤال معلقًا، ومثيرًا في الآن نفسه:

هل نحن أمام نهاية مرحلة أخنوش…

أم أمام بدايتها الحقيقية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى