مجتمع

حكيمة الحيطي: نحو مصالحة بين توقيت المغرب والإيقاع الطبيعي للمواطن

الدار البيضاء : إبراهيم أيت الحنا

 

في ظل الجدل المتواصل حول اعتماد التوقيت القانوني (GMT+1) بالمغرب، عادت ا لقضية إلى واجهة النقاش العمومي من خلال مداخلة علمية قدّمتها حكيمة الحيطي، رئيسة مركز “سنابل” للدراسات والسياسات العمومية، حيث أعادت طرح الإشكالية من منظور يتجاوز الطرح التقني نحو قراءة متعددة الأبعاد تجمع بين الاقتصاد والطاقة والصحة المجتمعية.

وأكدت الحيطي أن مسألة التوقيت ليست مجرد تعديل لعقارب الساعة، بل قرار سياسي ذو تأثيرات مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين وعلى تموقع المغرب الاقتصادي دولياً. واستحضرت في هذا السياق حالة الارتباك المجتمعي التي رافقت اعتماد التوقيت الإضافي منذ سنة 2018، مشيرة إلى أن موجة الرفض الشعبي التي تجلت في عرائض واحتجاجات، تعكس فجوة بين القرار العمومي وانتظارات المواطنين.

رهان التنافسية والارتباط بأوروبا

من الناحية الاقتصادية، أوضحت الحيطي أن اعتماد توقيت “غرينتش +1” جاء أساساً لضمان التزامن مع الشركاء الأوروبيين، الذين يمثلون أكثر من 60 في المائة من المبادلات التجارية للمغرب. ويُعتبر هذا التوافق الزمني، بحسب المتدخلة، عاملاً داعماً لتنافسية قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران والنسيج، فضلاً عن خدمات “الأوفشورينغ”، حيث يسهل تدفق المعاملات المالية والتواصل المهني.

غير أن هذا الاختيار، تضيف الحيطي، يطرح في المقابل تحديات تتعلق بتنويع الشراكات الاقتصادية، خاصة مع الأسواق العالمية ، إذ يؤدي الفارق الزمني إلى تقليص فرص التفاعل الفوري مع مراكز مالية كبرى مثل نيويورك ولندن ، ما قد يحد من طموح المغرب في التحول إلى منصة اقتصادية متعددة الأقطاب.

مكاسب طاقية محدودة مقابل كلفة صحية

وعلى مستوى الطاقة، أبرزت الحيطي أن المبرر الأساسي لاعتماد التوقيت الإضافي يتمثل في تقليص استهلاك الكهرباء خلال فترات الذروة المسائية، حيث يُقدّر التوفير بين 100 و150 ميغاواط. غير أنها اعتبرت أن هذا المكسب يظل محدوداً، إذ لا يتجاوز 0.5 في المائة من الاستهلاك الوطني، ما يعادل عملياً خفضاً بسيطاً على مستوى الأسر.

في المقابل، شددت على أن هذا “الربح الطاقي” يقابله ثمن صحي واجتماعي مرتفع، نتيجة اضطراب الساعة البيولوجية للمواطنين، وما يترتب عنه من تراجع في جودة النوم وانخفاض اليقظة، مع احتمالات تأثيرات سلبية على الصحة العامة، خصوصاً في ما يتعلق بأمراض القلب والضغط النفسي.

وأضافت أن المغرب، بحكم موقعه الجغرافي القريب من خط الاستواء، لا يعاني من تفاوت كبير في ساعات الإضاءة الطبيعية، ما يجعل اعتماد توقيت ثابت متقدم بساعة واحدة أشبه بإزاحة زمنية مصطنعة تبتعد عن الإيقاع الشمسي الطبيعي.

نحو مقاربة مرنة ومتوازنة

وفي قراءتها للحلول الممكنة، دعت الحيطي إلى تجاوز المقاربة التقنية الضيقة، واعتماد رؤية أكثر مرونة توازن بين متطلبات الاقتصاد وراحة المواطن. واقترحت في هذا الإطار اعتماد صيغ مرنة للعمل، خاصة في القطاعات المرتبطة بالخارج، بدل فرض توقيت موحد على جميع الفئات.

كما شددت على أن تحقيق النجاعة الطاقية ينبغي أن يمر عبر إصلاحات هيكلية، من قبيل تحسين العزل الحراري للمباني واعتماد تقنيات الإضاءة الذكية، بدل الاعتماد على تغيير التوقيت كحل أساسي.

وفي ختام مداخلتها، أكدت الحيطي أن العودة إلى توقيت غرينتش تظل الخيار الأكثر انسجاماً مع الإيقاع البيولوجي للمجتمع المغربي، مشيرة إلى أن التراجع السنوي عن الساعة الإضافية خلال شهر رمضان يعكس ضمنياً عدم ملاءمتها لطبيعة الحياة اليومية.

واعتبرت أن تحقيق التنمية المستدامة لا يقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد والطاقة، بل بمدى احترام الإنسان كعنصر محوري في السياسات العمومية، داعية إلى إعادة التفكير في التوقيت القانوني بما يضمن التوازن بين الإنتاجية وجودة الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى