وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب… وجدة بين توأماتٍ مُجمّدة وشراكاتٍ مُؤجلة: هل آن أوان تصحيح البوصلة نحو الخليج؟

في لحظةٍ فارقة من تاريخها الحضري، اختارت مدينة وجدة خلال مطلع الثمانينيات أن تنفتح على عمقها العربي، عبر توقيع اتفاقيات توأمة مع مدن خليجية وازنة، على رأسها جدة، ولاحقًا الخور والذخيرة. كانت تلك المبادرات تحمل في طياتها رؤية استراتيجية متقدمة، تقوم على تبادل الخبرات وجلب الاستثمارات وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية بين المدن العربية.

غير أن ما بدأ كحلمٍ واعد، سرعان ما تحوّل إلى واقعٍ جامد. اتفاقيات محفوظة في الأدراج، ومظاهر رمزية لم تُترجم إلى مشاريع ملموسة. فـ”ساحة جدة” في قلب وجدة، رغم رمزيتها، لم تتطور إلى منصة تعاون اقتصادي أو عمراني حقيقي، بل بقيت شاهدة على فرصة لم تُستثمر.

إهمال مزمن… واختيارات غير متوازنة

المفارقة اللافتة أن النخب المحلية، على مدى عقود، مالت إلى تفعيل شراكات أوروبية ذات طابع بروتوكولي وثقافي محدود الأثر، في مقابل إهمال شبه تام للعلاقات مع مدن الخليج العربي، التي تمتلك اليوم واحدة من أقوى القدرات التمويلية والاستثمارية في العالم.

هذا التوجه لم يعد منسجمًا مع التحولات الدولية، حيث أصبحت حتى القوى الأوروبية نفسها تتجه نحو شراكات مالية واستثمارية مع الخليج لإنجاز مشاريعها الكبرى، في وقت ما تزال فيه وجدة حبيسة مقاربات تقليدية لم تعد تواكب المرحلة.

درس مونديال 2022… مشاريع عابرة للحدود ووجدة خارج الحسابات

عندما استعدت قطر لاحتضان كأس العالم 2022، أطلقت واحدة من أضخم الديناميات الاستثمارية في المنطقة، لم تقتصر على الداخل القطري فحسب، بل امتدت آثارها إلى دول عربية وإفريقية عبر شراكات في البناء والتجهيز والخدمات.

لقد استفادت عدة دول من هذه الطفرة، خصوصًا في مجال بناء وتحديث الملاعب والبنيات الرياضية وفق معايير دولية، إلى جانب مشاريع طرقية ولوجستية كبرى. غير أن وجدة، رغم توفرها على روابط توأمة رسمية مع مدن قطرية، بقيت خارج هذه المنظومة، وكأنها غير معنية بتحولات تجري على مقربة منها.

لم يكن الغياب بسبب نقص الفرص، بل بسبب غياب الجاهزية والرؤية، لتفوت على المدينة إمكانية امتلاك بنية رياضية حديثة كان من شأنها أن تعزز جاذبيتها الاقتصادية والشبابية.

مونديال 2034… فرصة لا تحتمل التكرار

اليوم، ومع استعداد السعودية لاحتضان كأس العالم 2034، تتكرر نفس الدينامية ولكن بزخم أكبر. استثمارات هائلة، مشاريع عملاقة، ورغبة واضحة في توسيع نطاق الشراكات.

وهنا، تبرز وجدة أمام اختبار جديد: هل تبقى مرة أخرى خارج الحسابات، أم تتحرك لتفعيل توأمتها مع جدة وتحويلها إلى شراكة اقتصادية حقيقية؟

ورقة دبلوماسية رابحة… لم تُستثمر بعد

وفي هذا السياق، تبرز فرصة استراتيجية مهمة تتمثل في الحضور الدبلوماسي المغربي داخل المملكة العربية السعودية.

فالسفير المغربي في الرياض، مصطفى المنصوري، ينحدر من جهة الشرق، وتحديدًا من مدينة الناظور، ما يمنحه ارتباطًا مباشرًا بقضايا التنمية في المنطقة.

هذا المعطى يمكن أن يشكل قناة فعالة لتيسير التواصل وجلب الاستثمارات، إذا ما تم توظيفه ضمن رؤية مؤسساتية واضحة، تُقدم من خلالها وجدة مشاريع قابلة للتنفيذ في مجالات البنية التحتية والرياضة والسياحة.

التمويل موجود… لكن الإرادة غائبة

لم يعد التمويل عائقًا، بل التحدي الحقيقي يكمن في:

غياب مبادرات عملية من المسؤولين المحليين

ضعف تسويق المدينة كوجهة استثمارية

عدم إعداد مشاريع كبرى تستجيب لمعايير الشركاء الدوليين

وجدة أمام لحظة حاسمة

وجدة اليوم لا تحتاج إلى تشخيص جديد، بل إلى تحرك فعلي يعيد الاعتبار لشراكاتها العربية، ويستثمر التحولات الجارية في الخليج.

الخلاصة:

لقد استفادت دول عربية وإفريقية من ديناميات استثمارية كبرى، خصوصًا في مجال الملاعب والبنيات التحتية، بينما ظلت وجدة خارج هذه المعادلة. واليوم، مع اقتراب مونديال 2034، لا مجال لتكرار نفس الخطأ.

إحياء التوأمات، تفعيل القنوات الدبلوماسية، وطرح مشاريع طموحة… تلك هي المفاتيح.

أما الزمن، فلا ينتظر المتأخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى