سعيد بوطبسيل يكتب: اقتصاد الاستعمال بدل الامتلاك… رافعة جديدة للعدالة الاجتماعية والاستثمار في المغرب

قبل الخوض في مزايا هذا التوجه، من الضروري تقديم تعريف دقيق لما يسمى بـ”اقتصاد الاستعمال” أو “الاقتصاد القائم على الولوج”. هذا النموذج الاقتصادي يقوم على فصل الملكية عن المنفعة، بمعنى أن المستهلك لا يقتني السلعة ليملكها بشكل دائم، بل يدفع مقابلا ماليا—غالبا في شكل اشتراك أو تسعير حسب مدة الاستعمال—من أجل حق استخدامها لفترة محددة. تبقى ملكية الأصل (المعدة أو المنتج) في يد الشركة المزودة للخدمة، التي تتكفل بالصيانة، التجديد، وأحيانا التأمين.
هذا النموذج يختلف عن الكراء التقليدي في كونه يعتمد على منظومة متكاملة: منصة رقمية لتدبير العمليات، عقود مرنة، تتبع لحالة المعدات، وخدمة زبناء مستمرة. كما أنه يرتكز على منطق “الدورة الاقتصادية للمنتج”، حيث يتم استعمال نفس الأصل من طرف عدة مستفيدين بشكل متعاقب، مما يرفع من مردوديته الاقتصادية ويقلل من الهدر.
في هذا السياق، يصبح الاستهلاك قائما على الحاجة الفعلية بدل التملك، ويصبح الوصول إلى الخدمة هو القيمة الأساسية، لا امتلاك الشيء في حد ذاته. هذا التحول يعكس انتقالا من اقتصاد قائم على البيع (Product Ownership) إلى اقتصاد قائم على الخدمة (Product-as-a-Service).
في المغرب، يمكن لهذا النموذج أن يشكل فرصة حقيقية لتحقيق بعدين متكاملين: دعم الفئات محدودة الدخل، وفتح آفاق استثمارية مبتكرة.
أولا، على المستوى الاجتماعي، يتيح هذا النموذج لشرائح واسعة من المواطنين، خصوصا الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، إمكانية الولوج إلى تجهيزات لم تكن في متناولهم سابقا. عوض دفع مبالغ كبيرة لاقتناء معدات رياضية أو أدوات مكلفة، يمكنهم الاستفادة منها مقابل اشتراك شهري معقول. هذا الأمر يخفف الضغط المالي ويمنح مرونة أكبر في تدبير المصاريف، كما يشجع على تبني أنماط حياة صحية وثقافية نشيطة دون عائق مادي.
كما أن هذا النظام يواكب طبيعة الاستهلاك الحديثة، حيث لم يعد الامتلاك هدفا في حد ذاته، بل الاستفادة من الخدمة في الوقت المناسب. فالمستهلك لم يعد مضطرا للاحتفاظ بمعدات لا يستعملها إلا لفترات محدودة، بل يمكنه إرجاعها واستبدالها حسب الحاجة.
ثانيا، من زاوية الاستثمار، يفتح هذا النموذج مجالات واسعة أمام المقاولات الناشئة والمستثمرين. يمكن إحداث شركات متخصصة في تأجير المعدات بمختلف أنواعها، مع الاعتماد على منصات رقمية لتدبير العمليات وتتبع الزبناء. هذا النوع من المشاريع لا يتطلب بالضرورة استثمارات ضخمة في البداية، بل يمكن أن ينمو تدريجيا وفق الطلب.
إضافة إلى ذلك، يخلق هذا النشاط دينامية اقتصادية جديدة، تشمل خدمات الصيانة، اللوجستيك، التأمين، والتسويق الرقمي. كما يمكن أن يساهم في خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، خاصة في المدن المتوسطة والصغرى.
من جهة أخرى، لهذا النموذج بعد بيئي مهم، إذ يساهم في تقليص الاستهلاك المفرط وتشجيع إعادة الاستعمال، ما ينسجم مع التوجهات العالمية نحو اقتصاد دائري أكثر استدامة.
غير أن نجاح هذا التوجه في المغرب يتطلب إطارا تنظيميا واضحا يحمي حقوق المستهلك والمستثمر، ويضمن شفافية المعاملات وجودة الخدمات. كما يستدعي مواكبة إعلامية وتوعوية لتعريف المواطنين بمزاياه وتغيير بعض السلوكيات المرتبطة بثقافة الامتلاك.
إن تشجيع “اقتصاد الاستعمال” ليس فقط خيارا اقتصاديا، بل هو مدخل لإعادة التوازن الاجتماعي، وتحفيز الابتكار، وخلق نموذج تنموي أكثر مرونة وإنصافا، يستجيب لتحولات العصر وانتظارات المواطنين.