
حدث بريس : باريس
في مشهد يجمع بين عبق التاريخ المغربي وسحر العاصمة الفرنسية، وجدت الصناعة التقليدية المغربية طريقها إلى ضفاف نهر السين، عبر مبادرة ثقافية مبتكرة نقلت إبداعات الصناع والحرفيين المغاربة إلى فضاء دولي مفتوح، في خطوة تروم تعزيز إشعاع التراث الوطني والتعريف بغنى مكوناته الفنية والحضارية.
وتندرج هذه المبادرة ضمن معرض متنقل نظمته غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط–سلا–القنيطرة، بشراكة وتنسيق مع سفارة المملكة المغربية بباريس وجمعية «Plaisir de Partage»، حيث تحولت باخرة تجوب نهر السين إلى فضاء لعرض نماذج من الصناعة التقليدية المغربية، بما تحمله من أصالة وإبداع يعكسان عمق الهوية الوطنية وتنوع روافدها الثقافية.
وعرفت هذه التظاهرة حضور سفيرة المملكة المغربية بباريس، سميرة سيطايل، ورئيس غرفة الصناعة التقليدية لجهة الرباط–سلا–القنيطرة، عبد الرحيم الزمزامي، في خطوة تعكس الاهتمام بالترويج للموروث الحرفي المغربي وتعزيز مكانته ضمن المشهد الثقافي الدولي.

لم يكن اختيار نهر السين مجرد فضاء لاحتضان معرض استثنائي، بل حمل دلالة رمزية تجمع بين إشعاع باريس العالمي وثراء الحضارة المغربية، إذ أتاح هذا الموعد تقديم الصناعة التقليدية باعتبارها أكثر من مجرد منتوجات حرفية؛ إنها ذاكرة حية تختزل مهارات متوارثة، وتروي قصص أجيال من الصناع الذين حافظوا على خصوصية الفنون المغربية وطوروها عبر الزمن.
من الزرابي الأصيلة إلى المصنوعات الجلدية، مرورا بالنقش على الخشب والخزف وفنون التطريز، عكست المنتوجات المعروضة تنوع المدارس الحرفية المغربية وغنى تفاصيلها الجمالية، كما أبرزت قدرة الحرفي المغربي على المزج بين المحافظة على الأصالة والاستجابة للتحولات التي تعرفها أذواق المستهلكين والأسواق العالمية.

وتكتسي مثل هذه المبادرات أهمية خاصة، بالنظر إلى دورها في تقريب الجمهور الأجنبي من الثقافة المغربية، وإبراز المهارات التي يختزنها هذا القطاع، الذي يشكل أحد المكونات الأساسية للهوية الوطنية، فضلا عن مساهمته في خلق فرص الشغل والحفاظ على عدد من المهن التقليدية.
ولا يقتصر أثر هذه المبادرات على التعريف بالمنتوج التقليدي المغربي، بل يمتد إلى فتح آفاق جديدة أمام الصناع والحرفيين لتوسيع دائرة انتشار إبداعاتهم، واستكشاف أسواق جديدة، وبناء جسور للتبادل الثقافي والتجاري مع الفاعلين الدوليين.
غير أن تحويل هذا الحضور الرمزي إلى مكاسب مستدامة يظل رهينا بمواكبة الحرفيين، وتطوير قنوات التسويق، وتعزيز الترويج الرقمي، إلى جانب تشجيع الابتكار والتجديد مع الحفاظ على الخصائص الأصيلة التي تمنح المنتوج المغربي تميزه وتنافسيته.
كما يفرض الحفاظ على هذا الرصيد الحضاري الاستثمار في نقل الخبرات إلى الأجيال الصاعدة، وتحفيز الشباب على الإقبال على الحرف التقليدية، بما يضمن استمرارية المهن المهددة بالاندثار، ويحول التراث من مجرد ذاكرة للماضي إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وبين ضفاف نهر السين وأصالة الحرف المغربية، تقدم هذه المبادرة صورة عن المغرب الذي يراهن على تراثه الثقافي لتعزيز حضوره خارج الحدود، مؤكدا أن الصناعة التقليدية ليست مجرد منتجات تحمل بصمة الصانع المغربي، بل لغة فنية قادرة على اختراق المسافات، وتقريب الشعوب، والتعريف بهوية المملكة وإبداع أبنائها على الصعيد الدولي.





