د.زكرياء لعروسي يكتب … قراءة في الخطاب الملكي.. ما الذي يقتضيه الانتماء إلى مغرب يطمح إلى صناعة المستقبل؟

د.زكرياء لعروسي
باحث في القانون العام والعلوم السياسية
إن استلهام روح الخطاب الملكي السامي، بما له من ثقل سياسي ورسم عبقري لمعالم السياسات العامة، وتحديد أولويات المرحلة، يقتضي الانخراط الفعلي في رهاناته، وأن نستحضر ما يتيحه من أفق وطني لتجديد الصلة بين الهوية والإنجاز، وبين الاعتزاز بالمغرب والمسؤولية عن مستقبله. والمشاريع الكبرى التي يتطلع إليها الوطن تستوجب انخراط المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني والنخب الفكرية والسياسية في تنزيلها. والمغرب، بما راكمه من مكتسبات وما يتوفر عليه من مؤهلات، يحتاج اليوم إلى تعبئة جماعية تجعل المصلحة الوطنية بوصلة للعمل، وتمنح المبادرة والابتكار وروح المواطنة مكانتها في بناء المستقبل.
وإن مسؤولية المرحلة تقع على عاتق الجميع، كلٌّ من موقعه واختصاصه؛ فالمطلوب هو تحويل التوجيهات الملكية إلى التزامات عملية، والمساهمة في إنجاح المبادرات التنموية، وتعزيز ثقافة العمل والإنتاج، والانخراط الجاد في الإصلاحات التي تستهدف تحسين حياة المواطنين وتوسيع فرصهم في الكرامة والارتقاء.
إن قوة المغرب تكمن في قدرته على جمع طاقاته حول مشروع وطني مشترك، تتكامل فيه الرؤية الاستراتيجية مع المبادرة الميدانية، وتتحول فيه الهوية من مصدر للاعتزاز إلى حافز للعطاء. فاستشراف مغرب المستقبل مسؤولية جماعية، والوفاء لرهاناته يبدأ من تحويل الثقة في الوطن إلى عمل، وجعل الانتماء حافزا لمشاركة فاعلة في صناعة التنمية.
تحقيق التوازن بين نمو المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية
يحمل تأكيد جلالة الملك على ضرورة تحقيق الانسجام بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية رسالة أساسية، مفادها أن قوة الاقتصاد الوطني ترتبط بقدرته على تحسين ظروف عيش المواطنين، وتوسيع فرص الشغل، وتقليص الفوارق بين الجهات. والمغرب راكم خلال السنوات الماضية استثمارات مهمة في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى، والتحدي اليوم هو تعزيز الأثر الاجتماعي والمجالي لهذه الاستثمارات.
وهنا تبرز أهمية ثلاثة مداخل أساسية؛ أولها، توجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة لفرص الشغل، خصوصا الصناعة والتكنولوجيات الحديثة والاقتصاد الرقمي. وثانيها، تحقيق تكامل أكبر بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حتى تنعكس مؤشرات النمو على جودة التعليم والصحة والخدمات العمومية. أما المدخل الثالث، فيتعلق بالعدالة المجالية، من خلال تمكين الجهات من مقومات التنمية، وتوزيع الاستثمارات وفق الحاجات والإمكانات المحلية.
والأهم أن هذا التوازن يحتاج إلى تقييم السياسات العمومية على أساس نتائجها الفعلية، وليس فقط حجم الاعتمادات المالية أو عدد المشاريع المعلنة. فالمواطن ينتظر أن يلمس أثر التنمية في فرص العمل، وفي الخدمات التي يتلقاها، وفي قدرته على تحسين وضعه الاجتماعي. وبالتالي، فإن الرهان الذي يطرحه الخطاب الملكي هو الانتقال من اقتصاد يحقق النمو إلى اقتصاد يجعل هذا النمو رافعة للارتقاء الاجتماعي، ويمنح مختلف جهات المملكة فرصاً متكافئة للمساهمة في بناء مغرب صاعد.
القطاع الخاص والسيادة الاستراتيجية
إن أهمية هذه الدعوة تكمن في أن التحولات الدولية أصبحت تجعل الأمن الاقتصادي جزءا أساسيا من مفهوم السيادة الوطنية. فالأمن المائي والطاقي والغذائي، وتأمين المواد الأساسية، وتطوير الصناعة والذكاء الاصطناعي، كلها مجالات ترتبط بقدرة الدولة على حماية مصالحها ومواصلة تنميتها في ظل الأزمات والتنافس الدولي.
ومن هنا تأتي دعوة جلالة الملك إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وإلى الارتقاء بدور القطاع الخاص الوطني، حتى يصبح شريكا أساسيا في الاستثمار والإنتاج والتصدير وخلق فرص الشغل. ولعل الرهان الحقيقي في هذا الصدد هو تعبئة مختلف الطاقات الوطنية من أجل تقوية الاقتصاد وتحسين قدرته التنافسية.
وبخصوص حدود إشراك القطاع الخاص، فينبغي التمييز بين المجالات التي يمكن أن يضطلع فيها بدور استثماري وإنتاجي واسع، والمجالات التي تظل فيها للدولة مسؤولية استراتيجية في التخطيط والتوجيه وضمان الأمن الوطني. ويمكن للقطاع الخاص أن يساهم في تطوير الطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، والتكنولوجيات الحديثة، والبنيات الإنتاجية، في إطار قواعد واضحة تحمي المصلحة العامة وتضمن استمرارية الخدمات الأساسية.
وإن نجاح هذه المقاربة يتطلب شراكة متوازنة، توفر فيها الدولة شروط الاستثمار والتنافسية، ويتحمل فيها القطاع الخاص مسؤوليته في الابتكار والتشغيل والإنتاج. فالمطلوب هو اقتصاد وطني أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر ارتباطاً بحاجات المجتمع، مع الحفاظ على الدور الاستراتيجي للدولة في حماية المصالح الحيوية للمملكة.
اللامركزية واللاتمركز الإداري
ينبغي أولاً التمييز بين مفهومين أساسيين في التنظيم الإداري المغربي. فاللامركزية تقوم على توزيع الاختصاصات على جماعات ترابية منتخبة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتمارس صلاحياتها في إطار القانون. أما اللاتمركز الإداري، فيتعلق بإعادة توزيع الاختصاصات داخل الجهاز الإداري للدولة، من خلال تمكين المصالح الترابية من صلاحيات فعلية لاتخاذ القرار وتنفيذ السياسات العمومية. وتكمن أهمية الربط بينهما في أن الجهوية المتقدمة تحتاج إلى مجالس ترابية قادرة على المبادرة والتخطيط، وإلى إدارة ترابية تملك في الوقت نفسه صلاحيات وموارد تسمح بتنفيذ المشاريع دون الرجوع المستمر إلى المركز.
أما بخصوص أسباب التأخر، فمن الصعب اختزالها في عامل واحد؛ فهي قد ترتبط بتداخل الاختصاصات، وتعقيد المساطر، وضعف الموارد البشرية والمالية، فضلاً عن إشكالات التنسيق بين الإدارات. كما أن استمرار تمركز بعض القرارات قد يحد من الفعالية الترابية، وهو ما يستدعي معالجة مؤسساتية واضحة.
وتبرز أهمية تأكيد جلالة الملك على ضرورة تفعيل ميثاق اللاتمركز، ونقل الصلاحيات والموارد الضرورية إلى الجهات والأقاليم. فالمعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح هو قدرة المواطن والمستثمر على الحصول على الخدمات واتخاذ القرارات في آجال معقولة، وقدرة الجهات على الاستجابة لحاجاتها التنموية. لذلك، فإن المطلوب اليوم هو الانتقال من توزيع الاختصاصات على الورق إلى ممارسة فعلية للصلاحيات، مقرونة بالمساءلة وتقييم النتائج.
تجديد نموذج التعاون الدولي في مجال الهجرة
إن الرسالة الأساسية التي حملها خطاب جلالة الملك هي أن المغرب يدعو إلى الانتقال من نموذج للتعاون يركز بدرجة كبيرة على التدبير الأمني والحدودي للهجرة، إلى نموذج أكثر شمولاً، يربط تدبير الهجرة بالتنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية المتبادلة. فالمغرب راكم تجربة مهمة في تدبير هذا الملف، وأصبح شريكا أساسيا لأوروبا، لكن الخطاب الملكي يشير إلى أن استمرار التعاون بالآليات نفسها لم يعد كافيا لمواجهة التحولات الراهنة.
وينبغي التمييز بين الالتزامات السياسية التي تتعهد بها الدول، والاتفاقيات الثنائية التي تنظم التعاون بينها، والضمانات القانونية التي تحكم قرارات الترحيل وإجراءات اللجوء وحماية الأطفال القاصرين. فالتعاون الدولي يقتضي احترام الاتفاقيات والالتزامات القانونية ذات الصلة، كما أن الأحكام القضائية تستند إلى أطر قانونية يتعين أخذها بعين الاعتبار عند تدبير هذه الملفات.
ومن هنا، فإن التحدي يتمثل في إيجاد صيغة أكثر فعالية للتعاون، تضمن توزيعاً متوازناً للمسؤوليات، وتعزز التعاون القضائي والإداري، وتواجه شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، مع مراعاة الأوضاع القانونية والإنسانية للأشخاص المعنيين. وأهمية الدعوة الملكية إلى تقديم رؤية استراتيجية جديدة تكمن في أنها تفتح المجال لإعادة بناء الشراكة على أسس أوسع من مجرد تدبير تدفقات الهجرة. فالمغرب يتطلع إلى تعاون يربط هذا الملف بالتنمية والاستثمار والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، ويقوم على الاحترام المتبادل وصيانة السيادة الوطنية.
السيادة المغربية في تدبير الشراكة مع إسبانيا
إن الخطاب الملكي يوجه رسالة واضحة مفادها أن العلاقات المغربية الإسبانية تقوم على شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الاقتصاد والتجارة والأمن والهجرة، وأن الحفاظ على هذه الشراكة يقتضي التعامل معها بمنطق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد أكد جلالة الملك أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وهي عبارة تعكس حرص المغرب على تدبير علاقاته الخارجية وفق أولوياته الوطنية، بعيداً عن منطق الضغط أو الابتزاز.
وهنا ينبغي التمييز بين الاختلافات السياسية والإعلامية داخل إسبانيا، وبين الإطار الاستراتيجي الذي ينظم العلاقات بين البلدين. فالعلاقات الدولية لا تُبنى على مواقف ظرفية أو تصريحات عابرة، وإنما على المصالح المتبادلة، واستمرارية المؤسسات، والالتزامات التي يتحملها كل طرف.
وفي المقابل، فإن تأكيد السيادة لا يعني الانغلاق أو التخلي عن التعاون، بل يعني أن التعاون يكون أكثر استدامة عندما يستند إلى وضوح الالتزامات واحترام خصوصية كل دولة ومصالحها المشروعة. وهذا مهم بشكل خاص في ملف الهجرة، الذي يتداخل فيه البعد الأمني مع الأبعاد القانونية والإنسانية والتنموية.
إن الدعوة إلى تقديم رؤية استراتيجية جديدة للشركاء تتيح للمغرب توسيع النقاش حول مستقبل التعاون، وربطه بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. فالرهان هو الحفاظ على شراكة قوية مع إسبانيا وأوروبا، مع تطوير أدواتها وتحديث آلياتها، بما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة، وأكثر انسجاماً مع المصالح الاستراتيجية للمملكة.





