عبد اللطيف وهبي من موسم أصيلة الثقافي: العالم العربي مطالب بالانتقال من تلقي التحولات الدولية إلى صناعة المبادرة

أصيلة : حدث بريس
دعا عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إلى تعزيز قدرة الدول العربية على التأثير في التحولات الدولية وصياغة مساراتها المستقبلية، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تفرض الانتقال من موقع تلقي نتائج القرارات الدولية إلى موقع المشاركة الفعلية في صنعها، بما يحفظ المصالح الوطنية والعربية ويعزز استقلالية القرار.
جاء ذلك خلال مداخلة ألقاها وهبي، يوم السبت 10 أكتوبر الجاري، ضمن أشغال الندوة الثانية من موسم أصيلة الثقافي الدولي في دورته السابعة والأربعين، المنعقدة تحت عنوان «العالم العربي في أفق 2030: التحديات، التحولات والآفاق»، حيث تناول موضوع «الوطن العربي في ظل التحولات الدولية: من تلقي النتائج إلى آفاق المبادرة».
واعتبر وزير العدل أن العالم يعيش لحظة مفصلية تتغير خلالها موازين القوة بوتيرة متسارعة، وتتراجع فيها مسلمات ظلت قائمة لعقود، وهو ما يضع الدول العربية أمام سؤال جوهري يتعلق بقدرتها على التحول إلى طرف فاعل في صياغة مستقبل المنطقة، عوض الاكتفاء بالتعامل مع تداعيات قرارات تُتخذ خارجها.
وفي تشخيصه لواقع العالم العربي، توقف وهبي عند المفارقة القائمة بين ما تتوفر عليه المنطقة من إمكانات بشرية وموقع جغرافي استراتيجي، وبين وزنها الاقتصادي والسياسي على المستوى الدولي. وأشار إلى أن الناتج المحلي الإجمالي العربي يناهز 3.6 تريليون دولار، مع تركز نسبة كبيرة منه في عدد محدود من الاقتصادات، بما يعكس تفاوتاً في القدرات الاقتصادية ومستويات الاستعداد لمواجهة الأزمات.
وشدد على أن التحولات الجارية تفرض إعادة النظر في مقومات القوة العربية وأدوات توظيفها، خاصة في ظل تغير أولويات القوى الكبرى وتبدل التحالفات وفقاً لحسابات المصالح. واعتبر أن تعزيز السيادة والكرامة الوطنية يقتضي امتلاك القدرة على اتخاذ القرار وتحديد الخيارات الاستراتيجية بصورة مستقلة.
وحدة القرار والتكامل الاقتصادي
وفي المحور المتعلق بالعمل العربي المشترك، أبرز وهبي أن التحديات الإقليمية تتجاوز الحدود الوطنية، وأن التعامل معها يقتضي تنسيقاً سياسياً واقتصادياً قادراً على تحويل المصالح المشتركة إلى قوة تفاوضية مؤثرة.
واستحضر في هذا السياق محدودية التجارة البينية العربية مقارنة بمستويات المبادلات داخل تكتلات اقتصادية أخرى، معتبراً أن ضعف التكامل الاقتصادي ينعكس على القدرة الجماعية للدول العربية على التفاوض والدفاع عن مصالحها. وأكد أن توحيد المواقف في القضايا الاستراتيجية من شأنه تعزيز الحضور العربي في العلاقات الدولية وتوسيع هامش المناورة أمام التحولات المتسارعة.
وتطرق وزير العدل إلى التحولات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية، مسلطاً الضوء على التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية للاضطرابات التي طالت حركة الملاحة في مضيق هرمز وقناة السويس.
وأوضح أن اضطراب هذه الممرات الحيوية ينعكس على أسواق الطاقة وأسعار النقل والغذاء والكهرباء، فضلاً عن تأثيراته في الموازنات العامة وفرص العمل. واعتبر أن أمن الطاقة والملاحة يشكلان جزءاً أساسياً من السيادة الوطنية، بالنظر إلى ارتباطهما المباشر باستقلال القرار السياسي والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي هذا الإطار، دعا إلى التعامل مع أمن الممرات البحرية باعتباره قضية استراتيجية تتجاوز المقاربة الاقتصادية والتقنية، وتستدعي تعزيز التنسيق الإقليمي وتطوير القدرة على حماية المصالح الحيوية للدول العربية.
الهجرة والنزوح وتحديات الشباب
وفي تناوله لملف الهجرة والنزوح، ربط وهبي بين الأزمات الإنسانية والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها المنطقة، مستحضراً تداعيات الأزمة السودانية وما خلفته من موجات نزوح واسعة، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب العربي.
وأكد أن انسداد الآفاق الاقتصادية أمام الشباب يضاعف الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، ويجعل معالجة هذه الظاهرة مرتبطة بمدى قدرة السياسات العمومية على توفير فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وشدد على أن الهجرة والنزوح يقتضيان رؤية سياسية متكاملة تجمع بين الاستجابة للحاجات الإنسانية العاجلة ومعالجة الأسباب البنيوية للأزمات، بما يعزز قدرة الدول العربية على تدبير هذه الملفات وفق أولوياتها ومصالحها.

وفي محور السيادة الرقمية، نبه وهبي إلى أن مفهوم السيادة يشهد تحولات عميقة في ظل تنامي أهمية البيانات والتقنيات الرقمية والخوارزميات، مؤكداً أن امتلاك البنية التحتية الرقمية والقدرة على التحكم في تدفق المعلومات ومعالجتها أصبحا من محددات القوة الاقتصادية والسياسية.
وأشار إلى أن اتساع الحضور العربي في الفضاء الرقمي يطرح تحديات تتعلق بمكان تخزين البيانات ومعالجتها، وبمدى قدرة الدول العربية على المشاركة في صياغة القواعد المنظمة لهذا المجال.
كما توقف عند انعكاسات الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، معتبراً أن التحولات التكنولوجية تفرض الاستثمار في القدرات البشرية والتقنية، وتعزيز الحضور العربي في تطوير هذه التقنيات وحوكمتها، بما يسمح بالانتقال من موقع استهلاك التكنولوجيا إلى موقع المساهمة في إنتاجها وتوجيهها.
وفي ختام محاور مداخلته، تناول وزير العدل طبيعة التحالفات الدولية في ظل التحول نحو نظام عالمي أكثر تعددية وسيولة، تتغير فيه الشراكات بحسب القضايا والمصالح.
وأكد أن حماية المصالح العربية تقتضي بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، على أساس المصلحة الوطنية والعربية، مع الحفاظ على استقلالية القرار وتجنب الارتهان لمحاور ثابتة تحد من حرية الحركة الدبلوماسية.
واعتبر أن التحالفات الفاعلة هي تلك التي تقوم على وضوح الأهداف وتحديد المصالح والقدرة على التكيف مع المتغيرات، بما يتيح للدول العربية توسيع خياراتها وتعزيز موقعها في نظام دولي يعاد تشكيل توازناته.
وخلص وهبي إلى أن مستقبل العالم العربي يرتبط بقدرته على تجاوز تشتت القرار، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وحماية أمنه الطاقي والملاحي، والاستثمار في شبابه وقدراته الرقمية، وبناء شراكات دولية متوازنة.
وأكد أن الانتقال إلى موقع المبادرة يقتضي إرادة سياسية ورؤية استراتيجية تستثمر الإمكانات التي تتوفر عليها المنطقة، وتمنح الدول العربية قدرة أكبر على المشاركة في صياغة مستقبلها والدفاع عن مصالحها في ظل التحولات الدولية المتسارعة.





