هل يحتاج البرلمان اليوم إلى إصلاح يعزز مكانته الدستورية ويقوي سلطته التشريعية؟

ابراهيم ادريسي
أصبح النقاش حول جودة التشريع ومكانة البرلمان داخل المنظومة الدستورية يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى. فكلما أثير الجدل حول مشروع قانون أو نص تشريعي جديد، برزت تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على إنتاج قوانين تحظى بالإجماع وتحترم في الآن نفسه المقتضيات الدستورية.
ورغم أن الرقابة الدستورية تشكل إحدى الضمانات الأساسية لدولة القانون، فإن تكرار اللجوء إليها في كل خلاف تشريعي يدفع إلى طرح سؤال أعمق: هل يحتاج البرلمان اليوم إلى إصلاح يعزز مكانته الدستورية ويقوي سلطته التشريعية حتى يصبح المرجع الأول والأقوى في إنتاج القاعدة القانونية؟
إن البرلمان ليس مجرد فضاء للنقاش السياسي، بل هو مؤسسة دستورية تمثل الأمة وتمارس باسمها سلطة التشريع. ومن ثم فإن تعزيز الثقة فيه لا يمر عبر التقليل من أدواره، بل عبر تقوية إمكاناته القانونية والمؤسساتية والبشرية، بما يجعله قادراً على إنتاج نصوص قانونية أكثر جودة ونجاعة وانسجاماً مع روح الدستور.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح نقاش وطني جاد تشارك فيه الدولة والأحزاب السياسية والجامعات والخبراء القانونيون حول سبل تطوير الأداء التشريعي للبرلمان.
فالدولة مطالبة بمواصلة الإصلاحات التي تعزز مكانة المؤسسة التشريعية وتدعم أدوات اشتغالها، كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بالدفع بكفاءات قانونية ودستورية عالية المستوى إلى البرلمان، حتى يصبح النقاش التشريعي أكثر عمقاً وتخصصاً.
إن وجود نخبة من الخبراء والمتخصصين في القانون الدستوري والتشريع داخل المؤسسة البرلمانية من شأنه أن يرفع جودة القوانين ويعزز الثقة في العمل التشريعي، ويجعل اللجوء إلى المؤسسات الرقابية أمراً استثنائياً تفرضه الضرورة الدستورية لا قاعدة تحكم كل مسار تشريعي.
فالديمقراطية القوية لا تقوم فقط على مؤسسات رقابية فعالة، بل تحتاج أيضاً إلى مؤسسة تشريعية قوية وذات مصداقية، قادرة على الاضطلاع بمهامها الدستورية بكفاءة واستقلالية.
لذلك فإن تقوية البرلمان لم تعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبحت ضرورة وطنية مرتبطة بجودة التشريع ومصداقية المؤسسات وثقة المواطنين في المسار الديمقراطي.
إن المستقبل الديمقراطي للمملكة يقتضي الاستثمار في قوة البرلمان وهيبته وكفاءته، لأن المؤسسة التي منحها الدستور سلطة التشريع يجب أن تمتلك أيضاً كل الوسائل التي تمكنها من ممارسة هذه السلطة بأعلى درجات الجودة والمسؤولية.



