سياسةمجتمع

رقمنة المشاركة السياسية لمغاربة العالم… هل آن الأوان للانتقال من التصويت بالوكالة إلى التصويت الإلكتروني؟

إبراهيم إدريسي

 

أعاد اعتماد آلية التصويت بالوكالة لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، في أفق الاستحقاقات التشريعية المقبلة، إلى واجهة النقاش العمومي سؤال تطوير آليات مشاركة أفراد الجالية المغربية في الحياة السياسية، بما ينسجم مع التحولات الرقمية التي يشهدها المغرب، ويواكب في الوقت ذاته الانتشار الواسع لمغاربة العالم عبر مختلف القارات.

ويتيح الإطار القانوني الجاري به العمل للمغاربة المقيمين بالخارج، والمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، ممارسة حقهم الدستوري في التصويت عبر تفويض شخص آخر للإدلاء بصوته نيابة عنهم، وفق شروط وإجراءات قانونية محددة، بما يضمن استمرار ارتباطهم بالمسار الديمقراطي الوطني.

غير أن هذا المقتضى، رغم أهميته في ضمان الحق في المشاركة، يواجه تحديات عملية يفرضها الواقع اليومي للجالية المغربية، التي يتجاوز عددها خمسة ملايين نسمة، والموزعة على عشرات الدول، حيث يقيم عدد كبير منهم على مسافات بعيدة عن السفارات والقنصليات المغربية، بينما تحول الالتزامات المهنية وظروف العمل، في كثير من الأحيان، دون تمكنهم من التنقل لإتمام إجراءات الوكالة داخل الآجال القانونية.

ويرى متتبعون أن التطور الذي عرفته الإدارة المغربية في مجال الرقمنة، وما راكمته المملكة من خبرة في تقديم الخدمات العمومية الإلكترونية، يفتح المجال أمام التفكير في مرحلة جديدة من تحديث المنظومة الانتخابية، من خلال دراسة إمكانية اعتماد منصة وطنية رقمية مؤمنة، تمكن مغاربة العالم من ممارسة حقهم في التصويت مباشرة عن بعد، دون الحاجة إلى التنقل أو اللجوء إلى نظام الوكالة.

ويستند هذا الطرح إلى التحول الرقمي الذي تعرفه المملكة في عدد من القطاعات، حيث أصبحت العديد من الخدمات الإدارية والمالية والقضائية تقدم إلكترونياً، مع اعتماد أنظمة متطورة للتحقق من الهوية وحماية المعطيات الشخصية، وهو ما يعزز إمكانية توظيف هذه الخبرة في المجال الانتخابي مستقبلاً.

ويؤكد مختصون في التحول الرقمي أن اعتماد التصويت الإلكتروني لا يعني الاستغناء عن الضمانات القانونية، بل يستوجب بناء منظومة معلوماتية عالية التأمين، تعتمد التحقق الإلكتروني من الهوية، والتشفير المتقدم، والمراقبة المستقلة، بما يحافظ على سرية الاقتراع، ويمنع أي اختراق أو تصويت مزدوج، ويكرس الثقة في النتائج.

ومن شأن منصة رقمية وطنية مخصصة لمغاربة العالم أن تحقق عدة مكاسب، من أبرزها رفع نسبة المشاركة الانتخابية، وتقليص الأعباء الإدارية واللوجستية، وتوفير الوقت والجهد على أفراد الجالية، إلى جانب تعزيز ارتباطهم بالمؤسسات الدستورية، وإشراكهم بشكل أوسع في صناعة القرار العمومي.

كما أن اعتماد هذا الخيار يمكن أن يشكل امتداداً طبيعياً لمسار تحديث الإدارة المغربية، ويعكس ثقة المؤسسات في الكفاءات الوطنية والخبرات التقنية التي راكمها المغرب في مجال الرقمنة والأمن السيبراني.

وفي المقابل، يشدد خبراء على أن أي انتقال نحو التصويت الإلكتروني ينبغي أن يتم بشكل تدريجي ومدروس، عبر إطلاق مشاريع تجريبية، وإخضاع المنظومة لاختبارات تقنية مستقلة، والاستفادة من التجارب الدولية، بما يضمن تحقيق التوازن بين تسهيل المشاركة الانتخابية والحفاظ على نزاهة العملية الديمقراطية.

ويرى عدد من الفاعلين أن مستقبل المشاركة السياسية لمغاربة العالم لم يعد يرتبط فقط بإيجاد حلول إجرائية، بل ببلورة رؤية استراتيجية تجعل من التكنولوجيا رافعة لتعزيز الديمقراطية، خاصة وأن الجالية المغربية تمثل إحدى أهم القوى الاقتصادية والبشرية للمملكة، وتساهم بشكل وازن في التنمية الوطنية.

ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: إذا كان المغرب قد نجح في رقمنة عدد كبير من خدماته العمومية، فهل تصبح الانتخابات المقبلة بداية نقاش وطني حول تمكين مغاربة العالم، مستقبلاً، من التصويت الإلكتروني الآمن من منازلهم وأماكن عملهم، بما يوسع دائرة المشاركة، ويعزز مكانة المملكة ضمن الدول التي توظف التكنولوجيا لخدمة الديمقراطية وترسيخ المشاركة المواطنة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى