وجهات نظر

ابراهيم ادريسي يكتب عن النفاق السياسي …حين يصبح الولاء قناعاً للفساد… من يصفّق اليوم شريك في الجريمة غداً

 

في زمنٍ لم يعد فيه الفساد يختبئ، بل يجد من يدافع عنه ويبرّره، لم تعد المعركة بين الصالح والطالح فقط، بل بين الحقيقة وأولئك الذين يصرّون على دفنها تحت شعارات الولاء والانتماء. الأخطر اليوم ليس المسؤول الذي يخطئ، بل من يحوّل خطأه إلى “وجهة نظر”، ويطالب الآخرين بالصمت احتراماً لـ“الانتماء”.

هناك فئة لا ترى في الفساد مشكلة… إلا إذا كان خارج دائرتها. تهاجم بشراسة، وتدين بلا رحمة، لكنها تتحول إلى جدار حماية صلب حين يكون الفاعل “واحداً منها”. نفس الخطأ، نفس الفعل، لكن الحكم يتغير حسب الاسم، الحزب، أو المصلحة. هذه ليست سياسة… هذا نفاق صريح.

أي منطق يجعلنا نغض الطرف عن مسؤول أساء للمنصب، فقط لأنه ينتمي إلى حزبنا؟ أي وعي يقبل بتبرير الفشل لأنه “قريب” أو “حليف”؟ الحقيقة المؤلمة أن البعض لم يعد يبحث عن الصواب، بل عن من يوافقه، ولو كان مخطئاً. وهنا تسقط كل الأقنعة.

الولاء حين يفقد بوصلته الأخلاقية، يتحول إلى أداة تخريب. لا وطن يُبنى بمن يدافعون عن الأخطاء، ولا مدينة تنهض بمن يصفقون للفشل. من يبرر اليوم، يشارك غداً. ومن يسكت اليوم، يدفع الثمن غداً.

النفاق السياسي ليس مجرد سلوك معيب، بل هو أكبر خطر على أي مجتمع. لأنه لا يكتفي بحماية الفساد، بل يمنحه شرعية زائفة، ويخلق بيئة يُصبح فيها الصدق استثناءً، والمحاسبة جريمة. حينها، لا يعود السؤال: من أخطأ؟ بل: من سيجرؤ على قول الحقيقة؟

السياسة أخلاق قبل أن تكون مواقف. والاختلاف رحمة حين يكون نزيهاً، لا حين يُستغل لتصفية الحسابات أو حماية المصالح. لا أحد فوق النقد، ولا أحد يملك حصانة أخلاقية فقط لأنه ينتمي إلى “جهة ما”.

كفى من هذا العبث المقنّع. كفى من الولاءات العمياء التي تقتل كل محاولة للإصلاح. الوطن لا يحتاج إلى من يبررون، بل إلى من يواجهون. لا يحتاج إلى أصوات عالية، بل إلى ضمائر حية.

في النهاية، الأمر بسيط… لكنه مؤلم: إما أن تكون مع الحقيقة، أو أن تكون جزءاً من شبكة تحمي الكذب. وما بينهما، لا توجد منطقة رمادية… فقط درجات مختلفة من النفاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى