Uncategorized

سعيد بوطبسيل يكتب: العدالة المجالية بين الرباط وسلا والقنيطرة، قراءة في اختلال توزيع البنية التحتية الرياضية

ثلاث مدن تتقاسم الجغرافيا نفسها، والهواء نفسه، والماء ذاته الذي يجري في صمت بين الضفتين. الرباط وسلا أختان على ضفتي أبي رقراق، والقنيطرة جارة قريبة بما يكفي لترى انعكاس الأنوار في سماء الليل، وبعيدة بما يكفي لتكون ظلا. غرفتا نوم كبرى، تفرغ من ساكنتها صباحاً نحو الرباط بحثاً عن الرزق، وتستقبلهم ليلاً في حالة إعياء، دون أن تظفر بنصيب من “الأنوار”. المشهد يبدو غير عادي في الظاهر والباطن، ويكشف في العمق خللاً في تصور المجال ذاته: كيف يُبنى، ولمن يُبنى، ومن يُترك خارج هذا البناء.

في الرباط، تتجاور الملاعب الحديثة كما لو أنها زوايا مكعب. بنية تحتية متقنة، ومساحات مضاءة، وعشب مصقول بعناية. كل شيء يوحي بأن المكان صُمم ليُرى، وليُعرض، وليُستهلك قبل أن يُستعمل فعلياً. لا تفصل بينها سوى بضع عشرات من الأمتار، لكنها تختزل مسافة أكبر: مسافة النوايا، والقرارات. هنا الملعب فضاء رياضي، وعلامة على تمركز، وعلى تصور معين.

في سلا، الصورة قاسية. ملعب وحيد يمكن أن يكون كل شيء، إلا أن يكون ملعباً لكرة القدم؛ فضاء متعدد الاستعمالات، لكنه في العمق بلا هوية. ملعب المسيرة الخضراء برموزه التاريخية ورمزية اسمه، هُدم فاختفى ومعه كثير من الذاكرة؛ ذاكرة أجيال داعبت الكرة فيه منذ ثلاثينيات القرن الماضي قبل أن تُمحى آثارها بصمت. كان هدم هذا الملعب محوا لذاكرة شعبية؛ فلم يكن مجرد إسمنت، بل مستودعا للقصص ومسارح لأحلام أجيال تعاقبت.

أما القنيطرة، فالحكاية أطول زمناً وأثقل دلالة. ملعب بلدي عالق في زمن التأهيل، ومشروع يمتد لسنوات دون أن يكتمل، كأن الزمن هناك يُقاس بالعقود..وبالتأجيل. أكثر من عقد من الانتظار، ولا شيء يكتمل. هنا مجالات يمكنها أن تنتظر، وكأن الانتظار قدر جغرافي.

بين هذه المدن، تتبخر مفاهيم العدالة المجالية والإدماج المجالي، وتتحول إلى صدى بعيد لا يقوى على ملامسة الواقع. العدالة المجالية ليست في أن تُبنى المنشآت فقط، بل في أين تُبنى، وكيف تُوزع، ومن يستفيد منها. والإدماج أكثر من ربط الطرق، هو ربط المصائر.

في هذا السياق، فريق الكاك يلخص المأساة في بعد رمزي. فريق يلعب ربما آخر أوراقه في القسم الثاني، خارج أرضه، وعند جارة تعاني بدورها. كرة القدم هنا، كانت سيدة كل الملاعب، وتحولت إلى مرآة تعكس اختلال التوازن، لتُظهر كيف يتآكل الهامش تدريجياً حتى يفقد قدرته على المقاومة.

المفارقة الأكثر قسوة تتجلى في تفاصيل تبدو تقنية، لكنها في العمق متصلة بتدبير المجال. الملعب الذي ظل في طور البناء فُتح على عجل ليحتضن فريق الجيش الملكي وجهز بمقاعد البدلاء وشاشات الاشهار، وربما ايضا بغرف ملابس. ولأن القنيطرة يمكن أن تُستدعى فقط حين يحتاجها المركز، مرّ الجيش، واستُعمل الفضاء، و”دازت فوجهو الكاك” في صمت ثقيل. وحين اكتمل البناء في الرباط، شدّ الجيش الرحال نحو أفضل ملاعب العالم 2026، تاركاً خلفه فراغاً أكثر قسوة. ثم هُدم “التريبين” ليُبنى بدله الحلم الطويل، ويُضاف نقص جديد إلى قائمة النواقص. وهكذا وجدت الكاك نفسها لا تبحث فقط عن ملعب للعب، بل تستجدي مكاناً للاحتضار، كأن المدينة فقدت حتى حقها في أن تنهزم بكرامة؛ تماماً كما في «العصافير تختبئ لتموت» “The Thorn Birds” للكاتبة Colleen McCullough، حيث لا يكون الاختفاء هروباً بل قدراً حين تضيق الأمكنة وتُغلق المنافذ.

 

قبل شهور، كانت أفريقيا تتحرك في الرباط داخل مربع من أربعة ملاعب، بأهازيج وأفراح وجماهير تؤثث فضاء باب الأحد وكل الشوارع. كانت مدينة ينبض قلبها بالحياة ليل نهار. وكانت سلا تمر بالقرب من كل ذلك، وبرفقتها القنيطرة، تسيران خارج الزمن الأفريقي، وكأن الحدث يُقام مرة أخرى في مكان بعيد جدا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بثلاث مدن، بل بثلاثة مواقع داخل تصور واحد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى