
أكد محمد سقراط الكاتب الوطني للنقابة الشعبية للشغل ، في كلمة ألقاها بمناسبة انعقاد الدورة الأولى للمجلس الوطني للنقابة الشعبية للشغل، أن المرحلة الراهنة تفرض تجديد آليات العمل النقابي بالمغرب، وتعزيز استقلالية القرار النقابي، والدفاع عن القدرة الشرائية وحقوق الشغيلة، في ظل ما وصفه بتفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتراجع القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأجراء.
واختارت النقابة الشعبية للشغل أن تحمل دورتها الأولى اسم الراحل «عقا الغازي»، تخليداً لذكراه واستحضارا لمساره النضالي وإسهاماته في الدفاع عن قضايا الطبقة العاملة وحقوقها وكرامتها.
وشدد سقراط على أن هذه المحطة التنظيمية لا تقتصر على استكمال الهياكل والمصادقة على الوثائق، بل تشكل مناسبة لفتح نقاش سياسي ونقابي مسؤول حول واقع الحركة النقابية بالمغرب، والتحديات التي تواجهها، وسبل استعادة ثقة الشغيلة في العمل النقابي.
وفي تشخيصه للوضع الاجتماعي، انتقد المتحدث استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وغلاء المواد الأساسية والخدمات، معتبرا أن الفجوة ما تزال قائمة بين المؤشرات الاقتصادية المعلنة والواقع المعيشي للمواطنين، في ظل أجور لا تواكب الارتفاع المتواصل للأسعار والتزامات معيشية متزايدة.
كما دعا إلى جعل تحسين الأجور والقدرة الشرائية وتوفير فرص الشغل اللائق وتعزيز الحماية الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية معايير أساسية لتقييم السياسات العمومية، مؤكدا رفضه تحميل الطبقة العاملة وحدها كلفة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
وبخصوص الحوار الاجتماعي، اعتبر سقراط أن نجاحه لا يقاس بعدد الاجتماعات والبلاغات المشتركة، وإنما بمدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة لفائدة الأجراء والموظفين، سواء من خلال تحسين الأجور أو صيانة الحقوق المكتسبة أو تسوية النزاعات المهنية وتطوير الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، دعا إلى توسيع دائرة الحوار الاجتماعي لتشمل مختلف المكونات النقابية، منتقدا ما وصفه بمنطق الاحتكار والانتقائية في التشاور، ومشددا على أن التعددية النقابية تقتضي إتاحة الفرصة أمام مختلف التنظيمات للمساهمة في النقاش والترافع حول قضايا الشغيلة.
كما وضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 ضمن أبرز الملفات التي تستدعي موقفا نقابيا واضحا، داعيا إلى إعطاء الأولوية لتحسين القدرة الشرائية والاستثمار في قطاعي الصحة والتعليم والسكن، وإحداث فرص الشغل، وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية، معتبرا أن التوازنات المالية ينبغي ألا تكون على حساب التوازن الاجتماعي.

ولم يقتصر خطاب سقراط على انتقاد السياسات الحكومية، بل امتد إلى الدعوة لمراجعة الممارسات داخل الحركة النقابية نفسها، من خلال ممارسة النقد الذاتي والتصدي للاختلالات التنظيمية التي ساهمت، بحسب تعبيره، في تراجع ثقة فئات من الأجراء في العمل النقابي، خصوصا ما يرتبط بضعف التأطير وتشتت المبادرات وتغليب الحسابات التنظيمية على المصالح الجماعية للشغيلة.

وأكد أن النقابة الشعبية للشغل تسعى إلى تقديم نموذج نقابي قائم على الاستقلالية والديمقراطية الداخلية والبناء المؤسساتي، بعيداً عن التبعية والحسابات الضيقة، معتبرا أن النقابة ينبغي أن تكون حاضرة في مواقع العمل وقريبة من انشغالات العمال، لا مجرد إطار لإصدار البيانات والمواقف المناسباتية.
وعلى المستوى التنظيمي، دعا إلى الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الفعل الميداني، عبر تقوية الهياكل الوطنية والجهوية والإقليمية والمحلية، وتوسيع قاعدة الانخراط، واستقطاب الكفاءات، وفتح المجال أمام الشباب والنساء والأطر المهنية، فضلا عن تطوير آليات التكوين والتأطير والتواصل والترافع.
وحدد سقراط جملة من الأولويات المطلبية للنقابة، في مقدمتها تحسين الأجور والتعويضات، وحماية الحقوق المكتسبة، والتصدي للهشاشة والاستغلال المهني، وتعزيز التغطية الصحية وأنظمة التقاعد، وضمان الاستقرار المهني، ومحاربة التمييز في الأجور وشروط العمل، إلى جانب الدفاع عن الحريات النقابية والحق في التنظيم والممارسة النقابية.

وفي ختام كلمته، شدد الكاتب الوطني للنقابة الشعبية للشغل على أن التنظيم الجديد لا يسعى إلى أن يكون مجرد رقم إضافي في المشهد النقابي المغربي، بل يطمح إلى تقديم إضافة نوعية قائمة على المصداقية والاستقلالية والقدرة على الترافع والدفاع عن حقوق الأجراء.
وختم سقراط بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب نقابة قوية بمؤسساتها ومناضلاتها ومناضليها، وحاضرة في الميدان، وقادرة على الجمع بين الموقف النقدي المسؤول والانخراط الإيجابي في الحوار، معلنا التزام النقابة بجعل كرامة الشغيلة وحقوقها محورا أساسيا لمشروعها النقابي.










