عبد الرحيم نوفيسو يكتب ….. أستطيع منافسة الأحزاب لا الأشباح

🔴 لن أشارك في الانتخابات التشريعية في طاطا وهذه أسبابي 👇👇
لم يكن قرار الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة بالنسبة إليّ مجرد بحث عن مقعد في البرلمان، ولا محطة عابرة في مسار سياسي. كان، قبل كل شيء، حلما راودني بأن أفتح، رفقة تيار واسع من بنات وأبناء إقليم طاطا، صفحة جديدة في تاريخ تمثيل إقليمنا داخل المؤسسة التشريعية؛ صفحة يكون عنوانها القرب من الناس، والإنصات إليهم، والدفاع عن حق هذه الأرض في التنمية والإنصاف والكرامة.
دخلت التجربة الانتخابية السابقة لأول مرة، وحظيت بثقة عدد مهم من أبناء الإقليم وبناته، ورغم أن النجاح لم يكن حليفي، فقد خرجت منها أكثر اقتناعا بالعمل السياسي، وأكثر إيمانا بأن طاطا قادرة على إنتاج جيل جديد من المنتخبين، وأن المنافسة الديمقراطية النزيهة تظل الطريق الوحيد المشروع للوصول إلى المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، تحملت مسؤولياتي داخل حزب الحركة الشعبية، بصفتي كاتبا جهويا للحزب بجهة سوس ماسة، وانخرطت خلال الأشهر الماضية في لقاءات تنظيمية وميدانية متواصلة بمختلف جماعات إقليم طاطا، استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وكنت، إلى وقت قريب، مستعدا لخوض هذه الانتخابات بكل ما تتطلبه من جهد ومسؤولية.
كنت، وما زلت، واثقا من قدرتنا على منافسة الأحزاب السياسية والمرشحين الآخرين منافسة شريفة. كما كنت واثقا من قدرة المشروع الذي نحمله، ومن ثقة النساء والرجال الذين التفوا حوله، على تحقيق نتيجة تمكننا من تمثيل طاطا والدفاع عن مصالح أبنائها وبناتها داخل مجلس النواب.
لكنني، وأنا أتحرك في الميدان، وقفت على وقائع وممارسات لا يمكنني التعامل معها باعتبارها جزءا طبيعيا من المنافسة السياسية.
لقد توصلت، خلال لقاءاتي التنظيمية واتصالاتي بعدد من المواطنين في جماعات مختلفة من الإقليم، بمعطيات وشهادات مقلقة بشأن تحركات منسوبة إلى بعض الموظفين وأعوان السلطة، تتجاوز، بحسب ما بلغني وما عاينته، حدود ممارسة الوظيفة الإدارية المحايدة، إلى التدخل في اختيارات المواطنين ومحاولة التأثير في إرادتهم الانتخابية، بل وتحذير بعضهم والضغط على آخرين، بما يصب في مصلحة مرشح وحزب معلومين.
وأمام خطورة هذه المعطيات، لم أختر الصمت ولم ألجأ إلى المزايدة. سلكت الطريق المؤسساتي، ورفعت الأمر إلى السلطات المختصة، إيمانا مني بأن دولة المؤسسات تملك الآليات الكفيلة بحماية العملية الانتخابية وصيانة حياد الإدارة.
وهنا أريد أن أكون واضحا ومنصفا.
إنني أثمن عاليا الخطاب الواضح الذي عبرت عنه السلطات الترابية بشأن ضرورة احترام استقلالية قرار الناخب، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وعدم السماح باستعمال الإدارة في الصراع الانتخابي. كما أقدر المبادرات والإشارات التي صدرت في هذا الاتجاه، وأعتبر أن هذا الموقف هو ما ينبغي أن يشكل المرجع لجميع المسؤولين والموظفين وأعوان السلطة، دون استثناء.
ذلك أن الإدارة حين تقف على المسافة نفسها من الجميع تكون إحدى ضمانات الديمقراطية. وحين يشعر المواطن أن السلطة تحمي حقه في الاختيار، تصبح الدولة نفسها أقوى وتزداد المؤسسات مصداقية.
لكن ما يثير أسفي العميق هو أن هذا الخطاب الواضح لم يمنع، بحسب ما وقفت عليه ميدانيا، بعض ممثلي الإدارة الترابية من زيادة نشاطهم كلما اقترب موعد الاقتراع، بصورة تضع علامات استفهام جدية حول احترام واجب الحياد، وتخلق مناخا لا أستطيع أن أعتبره سليما لمنافسة انتخابية متكافئة.
وهنا تكمن المشكلة.
أنا مستعد لمنافسة أي مرشح.
ومستعد لمواجهة أي حزب بالبرنامج والبرنامج المضاد، وبالحجة والحجة المضادة، وبالعمل الميداني والعمل الميداني المضاد.
أقبل أن يهزمني منافس أقنع المواطنين أكثر مني.
وأقبل أن يخسر حزبي إذا اختار الناخبون، بحرية، حزبا آخر.
تلك هي الديمقراطية.
لكنني أعجز عن منافسة أشباح تتحرك في الظلام؛ لا تحمل شارة حزب، ولا تظهر في الملصقات الانتخابية، ولا تصعد المنصات لتدافع عن برنامجها، لكنها تستطيع الاقتراب من المواطن مستفيدة من سلطة الوظيفة أو رهبتها، وتستعمل، وفق ما بلغنا من شهادات، الإغراء أو الضغط أو التخويف أو المس بالمصالح والحقوق وسيلة لتوجيه الاختيار الانتخابي نحو وجهة معلومة.
هذه ليست منافسة بين مرشحين.
وإذا ثبتت هذه الممارسات، فإن الأمر يتعلق بمساس بجوهر العملية الديمقراطية نفسها.
فدستور المملكة حاسم في هذا الباب: «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي». ولا يمكن لهذه القاعدة أن تكون مجرد عبارة دستورية نرددها في المناسبات؛ إنها عقد سياسي وأخلاقي بين الدولة والمواطن، ومعيار تقاس به مشروعية المؤسسات المنتخبة.
وقد جعل المشرع المغربي حماية نزاهة الاقتراع وصدق العملية الانتخابية جزءا من البناء القانوني للانتخابات، كما منع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب تسخير الوسائل والأدوات المملوكة للهيئات العامة لفائدة المرشحين في الحملات الانتخابية.
إن حياد الإدارة، لذلك، ليس هدية تقدمها السلطة للأحزاب، ولا امتيازا يطالب به مرشح لأنه يخشى منافسيه.
حياد الإدارة حق للناخب المغربي قبل أن يكون حقا للمرشح.
وحرية التصويت لا تعني فقط أن يدخل المواطن إلى المعزل وحيدا يوم الاقتراع. تبدأ حرية التصويت قبل ذلك بكثير: حين يكون آمنا في رزقه ومصالحه وعلاقته بالإدارة، وحين يستطيع أن يقول لمن يشاء “نعم” ولمن يشاء “لا”، دون خوف من أن يجد في اليوم التالي من يسأله عن اختياره أو يعاقبه عليه.
لهذه الأسباب، وبعد تفكير طويل ومسؤول، أعلن للرأي العام ولأبناء إقليم طاطا وبناته أنني قررت عدم خوض الانتخابات التشريعية المقبلة.
إنه قرار مؤلم.
فقد كنت أتطلع إلى هذه المحطة بكثير من الأمل. وكنت أحلم بأن نمشي إليها معا، وأن نحول الثقة التي لمستها في القرى والدواوير والجماعات إلى تجربة سياسية جديدة؛ وأن نبرهن أن شابا من أبناء هذا الإقليم يستطيع أن يصل إلى البرلمان محمولا على أكتاف الثقة وحدها، لا على أكتاف النفوذ.
كنت أحلم بأن نفتتح، معا، صفحة أخرى في تاريخ التمثيل النيابي لطاطا.
لكنني أعتقد اليوم أن الظروف التي أراها في الميدان لا توفر لي الاطمئنان الكافي إلى شروط المنافسة التي كنت أريدها.
ولذلك فإن انسحابي ليس انسحابا من السياسة.
وليس انسحابا من طاطا.
وليس تخليا عن الرجال والنساء الذين وثقوا بي.
إنني أنسحب من سباق انتخابي أرى أن شروطه، في الوقت الراهن، لا توفر الضمانات التي أحتاج إليها للاقتناع بأن الجميع يقفون بالفعل على خط انطلاق واحد.
أما العمل السياسي فسأستمر فيه.
وسأستمر، من موقعي ككاتب جهوي لحزب الحركة الشعبية بجهة سوس ماسة، في الدفاع عن الإقليم، وتأطير المواطنات والمواطنين، وفتح الحزب أمام الشباب والكفاءات، ومساءلة السياسات العمومية، والترافع عن الماء والصحة والتعليم والطرق والاستثمار والتشغيل وعن حق طاطا في نصيب عادل من التنمية.
وأدعو كل الذين كانوا يرون في ترشيحي أملا في التغيير إلى ألا يحولوا خيبة هذه اللحظة إلى عزوف عن السياسة.
لا تتركوا صناديق الاقتراع.
ولا تتخلوا عن حقكم في الاختيار.
والتفوا حول المشاريع الانتخابية الجادة، وقارنوا بين البرامج والمرشحين، واختاروا بحرية من ترونه أهلا للدفاع عنكم.
فالديمقراطية لا يصحح اختلالاتها الفراغ، وإنما المزيد من المشاركة واليقظة والمساءلة.
كما أجدد ثقتي في مؤسسات الدولة، وأدعو السلطات الإقليمية والجهوية إلى مواصلة ما عبرت عنه من التزام بالحياد، وإلى التحقيق الجدي في كل ادعاء يتعلق بتدخل أي موظف أو عون سلطة في إرادة الناخبين، وترتيب ما يلزم متى ثبتت المخالفات. فحماية رجل السلطة النزيه تقتضي أيضا عدم التساهل مع من يستعمل صفته للإضرار بصورة الإدارة ومصداقيتها.
إلى كل من آمن بهذا المشروع، وإلى الشباب الذين طرقنا معهم الأبواب، وإلى النساء والرجال الذين استقبلونا في بيوتهم ودواويرهم، أقول:
مشوارنا لم ينته.
سنواصل بناء المشروع من الأسفل، حيث تبدأ الديمقراطية الحقيقية.
وسنلتقي مجددا في استحقاقات الجماعات الترابية والغرف المهنية، لنخوض معركة أخرى من أجل تمثيل يليق بطاطا، في الشروط التي نأمل أن تجعل صوت المواطن وحده هو الفيصل.
قد لا تسمح لنا ظروف اليوم بفتح الصفحة التي حلمنا بها.
لكن حبات السنبلة لم تسقط.
موعدنا القادم مع طاطا.
عبد الرحيم نوفيسو
الكاتب الجهوي لحزب الحركة الشعبية
جهة سوس ماسة

