سياسة

من «رابح – رابح» إلى «خاسر – خاسر».. من يخسر أكثر في حرب الأحرار والأصالة؟

ابراهيم إدريسي

 

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، وفي ظرفية سياسية حساسة لا تفصلنا عنها سوى أسابيع قليلة، تتصاعد حدة الهجمات المتبادلة بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول الكلفة السياسية والانتخابية لهذه المواجهة.

ففي الوقت الذي يفترض أن تنصب جهود الأحزاب على إقناع الناخبين، وتقديم الحصيلة والبرامج والرؤى الكفيلة بكسب الثقة، يبدو أن جزءاً من المعركة السياسية انتقل إلى مواجهة مفتوحة بين حزبين يشكلان قوتين وازنتين في المشهد السياسي، وبينهما قدر كبير من التنافس الذي يبدو اليوم مرشحاً لتجاوز حدود المنافسة الانتخابية التقليدية.

إنها، بتعبير سياسي وانتخابي بسيط، مقاربة «خاسر – خاسر».

فكلما اشتدت الهجمات المتبادلة، ارتفعت كلفة المعركة على الطرفين معاً. وكلما سعى أحدهما إلى إضعاف صورة الآخر، قد يجد نفسه، في المقابل، أمام ناخب لا يميز دائماً بين من بدأ الهجوم ومن رد عليه، بقدر ما يرى مشهداً سياسياً متوتراً قد يدفعه إلى فقدان الثقة في طرفي الصراع.

وهنا تكمن المفارقة: فقد لا تتحول خسائر حزب إلى مكاسب مباشرة لمنافسه، بل يمكن أن يستفيد منها طرف ثالث. فالناخب الذي يغادر دائرة الثقة في أحد الحزبين قد لا ينتقل بالضرورة إلى الحزب الآخر، وإنما قد يبحث عن بديل مختلف تماماً.

وبذلك، فإن كل نقطة يفقدها حزب بسبب هذه الحرب قد لا تكون رصيداً يضاف إلى الطرف المقابل، بل قد تتحول إلى هدية سياسية مجانية لبقية المنافسين، الذين يراقبون المشهد من بعيد وينتظرون أن تتسع دائرة الخسائر.

والأخطر أن هذه الحرب لا تجري في ظرف سياسي عادي، بل في مرحلة دقيقة تسبق الاستحقاق التشريعي بأسابيع قليلة، حيث تصبح الكلمة محسوبة، والصورة مؤثرة، والخطأ مكلفاً. فمع اقتراب لحظة الحسم، لا تحتاج الأحزاب فقط إلى تعبئة أنصارها، بل إلى الحفاظ على صورتها لدى المترددين، لأن هذه الفئة تحديداً قد تكون الأكثر حساسية تجاه الخطابات المتوترة والحروب السياسية المفتوحة.

التنافس مشروع، والنقد السياسي مطلوب، واختلاف الرؤى أمر طبيعي في الديمقراطية. لكن السؤال يبقى: هل تخدم معركة الاستنزاف المتبادل مصالح الطرفين، أم أنها تمنح خصومهما فرصة لالتقاط أصوات لا يمكن استرجاعها بسهولة؟

إن السياسة ليست مجرد معركة لتسجيل الأهداف في مرمى الخصوم، خصوصاً حين يكون الطرفان شريكين في المشهد نفسه. وبينما يفترض أن تكون المنافسة الذكية قائمة على مقاربة «رابح – رابح»، حيث يحافظ كل طرف على قوته وصورته ويبحث عن توسيع قاعدته دون إهداء خصومه نقاطاً مجانية، يبدو أن حرب الهجمات المتبادلة قد تقود إلى المعادلة المعاكسة تماماً: «خاسر – خاسر».

عندما ينشغل الكبار بإضعاف بعضهم، قد يكون الرابح الحقيقي منافس يراقب المعركة من بعيد، ويجمع بهدوء أصواتاً لم يكن ليحصل عليها لولا هذه الحرب .

“الغنيمة الباردة “.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى