وجهات نظر

رشيد لمسلم يكتب : العبور إلى طريق الشمال… حين يصبح البحر آخر الأوطان

 

لم يعد البحر الأبيض المتوسط مجرد فضاء يفصل بين ضفتين، بل تحول إلى مرآة تعكس عمق الأزمات التي تعصف بالإنسان حين تضيق به الأرض بما رحبت.

وما شهدته مدينة سبتة المحتلة من تدفق مئات المواطنين المغاربة سباحة نحو الضفة الأخرى ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل صرخة مدوية في وجه واقع لم يعد يقوى على احتواء أحلام أبنائه.

إن أكثر ما يوجع في هذه المشاهد ليس اختراق الحدود، وإنما انكسار الثقة.

فحين يختار شاب أو امرأة أو أرجلا أو طفلا قاصرا، من مختلف الأعمار مواجهة الأمواج العاتية بيدين عاريتين، مدركا أن الموت يسبقه بخطوات، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف عبر؟ بل لماذا قرر أن يعبر؟

إن الهجرة غير النظامية ليست نزوة مواطنة أو مواطن مغامر، ولا اندفاعا عابرا نحو المجهول، بل هي في كثير من الأحيان نتيجة شعور متراكم بالاختناق، حيث تتراجع الآمال أمام البطالة، وتضيق فرص العيش الكريم، ويغدو المستقبل حلما مؤجلا.

وعندما يصبح البحر أقل رهبة من الواقع، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد اقتصادية فحسب، بل أصبحت أزمة أمل.

لقد تحولت سبتة المحتلة، رغم تعقيد وضعها السياسي والقانوني، إلى رمز لما يعتقده كثيرون أنه “باب النجاة”.

لكن الحقيقة أكثر قسوة؛ فخلف ذلك الباب تمتد معاناة أخرى من الترحيل، والاحتجاز، والتشرد، والعيش في الهامش.

إن طريق الشمال ليس طريقا إلى الجنة، بل درب مليء بالمخاطر، يدفع ثمنه الإنسان من عمره وكرامته، وربما من حياته.

ولا يجوز اختزال هذه الظاهرة في بعدها الأمني فقط، لأن الأسلاك الشائكة والزوارق والدوريات قد تؤخر العبور، لكنها لا تستطيع إيقاف حلم يولد من رحم اليأس.

إن الحل يبدأ من الداخل؛ من بناء اقتصاد يفتح أبوابه للشباب، وتعليم يمنحهم أدوات المنافسة، وعدالة اجتماعية ومجالية تجعل المواطن يشعر بأن وطنه قادر على احتضان طموحه.

إن الأوطان لا تُقاس بعدد من يغادرها، بل بقدرتها على إقناع أبنائها بالبقاء.

وحين تتحول الهجرة إلى حلم جماعي، فإن الرسالة واضحة: هناك شيء يحتاج إلى مراجعة عميقة.

ويبقى البحر شاهدا صامتا على مآسي لا تنتهي.

فهو لا يسأل عن جنسية الغارقين، ولا عن أعمارهم، ولا عن دوافعهم؛ يبتلع الجميع بصمت، ثم يعيد إلى الشاطئ ما تبقى من الأحلام.

العبور إلى طريق الشمال ليس انتصارا على البحر، بل هزيمة للواقع.

وهو نداء مفتوح إلى كل الفاعلين: دولة، ومجتمعا، ونخبا، من أجل إعادة بناء الثقة بين الإنسان ووطنه، حتى لا يبقى الأمل معلقا خلف أمواج المتوسط، ولا يصبح الموت ثمنا باهظا للبحث عن حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى