وجهات نظر

مولاي بوعزة… ليست أزمة أنبوب، بل أزمة إدارة

يونس المنصوري

 

 

في كل مرة ينقطع فيها الماء عن مولاي بوعزة، يتكرر المشهد نفسه. عطب… إصلاح… بلاغ… وعود… ثم عطب جديد. وكأننا لا نعيش أزمة مرفق عمومي، بل نتابع مسلسلاً يُعاد إنتاجه كلما اعتقد الناس أن الحلقة الأخيرة قد عُرضت.

هذه المرة، قيل إن القناة التي تربط فوغال بمولاي بوعزة أُصلحت، وإن الخزان الرئيسي امتلأ بالمياه، وإن التزويد سيعود تدريجياً. ولم تمض ساعات حتى ظهر خبر جديد: قناة رئيسية أخرى تعرضت للكسر أثناء أشغال تهيئة الطريق.

ليس السؤال هنا: من كسر الأنبوب؟

السؤال الحقيقي هو: كيف أصبحت شبكة الماء في مولاي بوعزة بهذه الهشاشة حتى بات أي تدخل، أو أي ورش، أو أي خلل، قادراً على إدخال آلاف المواطنين في أزمة؟

المشكلة ليست في الحادث وحده، لأن الحوادث تقع في كل مكان. لكن الدول والإدارات تُقاس بقدرتها على تقليل آثار الحوادث، لا بالاكتفاء بتبريرها بعد وقوعها.

كل مرة يُقدَّم للمواطن سبب جديد: مرة الكلس، ومرة عطب تقني، ومرة أشغال الطريق. لكن ما يغيب دائماً هو السؤال الذي يزعج الجميع: لماذا أصبحت الأعطاب تتوالد بهذه السهولة؟

إذا كان الكلس قد خنق القنوات، فهل تراكم في ليلة واحدة؟ وإذا كانت الأشغال قد كسرت الأنبوب، فأين التنسيق بين المشاريع؟ وأين خرائط الشبكات؟ وأين إجراءات حماية البنية التحتية؟ أم أن التخطيط لا يبدأ إلا بعد وقوع الأزمة؟

الأسوأ من انقطاع الماء، هو محاولة تحويل كل أزمة إلى حادث منفصل، وكأن ما يقع اليوم لا علاقة له بما وقع بالأمس، ولا بما قد يقع غداً. إنها سياسة إدارة النتائج بدل معالجة الأسباب، وسياسة إخماد الحرائق بدل منع اندلاعها.

إن المواطن في مولاي بوعزة لا يحتاج كل أسبوع إلى تفسير جديد، ولا إلى رواية مختلفة، ولا إلى تطمينات مؤقتة. ما يحتاجه هو شبكة لا تنهار مع أول اختبار، ومرفق عمومي يُدار بعقلية الوقاية لا بعقلية رد الفعل.

لقد اعتاد الناس سماع عبارة: “تم إصلاح العطب.” لكن أحداً لا يخبرهم متى سيأتي اليوم الذي لن يكون فيه هناك عطب جديد.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فالمرافق العمومية لا تُقاس بسرعة إصدار البلاغات، بل بقدرتها على تقديم خدمة مستقرة. ولا تُقاس بعدد الفرق التي تتدخل بعد الأزمة، بل بعدد الأزمات التي نجحت في منعها قبل أن تقع.

مولاي بوعزة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى مراجعة جذرية لمنظومة تدبير الماء. لأن استمرار هذا المشهد يعني أن الأزمة لم تعد استثناءً، بل أصبحت أسلوباً في الإدارة.

وما يخشاه المواطن ليس انقطاع الماء ليوم أو يومين، بل أن يتحول هذا الحق الأساسي إلى خدمة موسمية، تُدار بمنطق الأعطال المتلاحقة والوعود المؤجلة.

إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس الكسر الأخير، ولا العطب الذي سبقه، بل اعتياد الجميع على تكرار المشهد حتى صار الانقطاع خبراً عادياً، وصارت عودة الماء إنجازاً يُحتفى به، مع أن الأصل في أي دولة تحترم مواطنيها أن يكون وصول الماء إلى البيوت أمراً بديهياً، لا مناسبة تستدعي البلاغات والتهاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى