المهدي العلمي الإدريسي يكتب : أين اختفت عطلة زمان؟ الصيف بين فرحة الأمس وضغوط اليوم

كانت العطلة الصيفية، في زمن مضى، موعدًا ينتظره الأطفال والكبار بشغف. كانت تعني البساطة، والراحة، واللقاءات العائلية، والذهاب إلى البحر أو القرية، وقضاء ساعات طويلة في اللعب والحديث بعيدًا عن ضغوط الدراسة والعمل. أما اليوم، فقد تغيرت صورة العطلة بشكل لافت؛ فهل تغيّر الزمن فعلًا، أم أن الإنسان هو الذي تغيّر، أم أن مصاعب الحياة فرضت إيقاعًا جديدًا على الجميع؟
في الماضي، لم تكن العطلة الصيفية تحتاج إلى ميزانية كبيرة حتى تكون ممتعة. كان الطفل يجد سعادته في أشياء بسيطة: كرة في الحي، دراجة، رحلة إلى الشاطئ، أو زيارة بيت الجد والجدة. وكانت الأسر تجتمع حول مائدة واحدة، ويتبادل الجيران الزيارات، ويصبح الصيف فرصة لإحياء العلاقات الاجتماعية وتقوية الروابط العائلية.
كان الصيف آنذاك يحمل طعمًا مختلفًا. لم تكن الأسرة تحتاج إلى التخطيط لأشهر مسبقًا من أجل قضاء بضعة أيام خارج البيت، ولم يكن الاستمتاع مرتبطًا بفندق فاخر أو مطعم غالٍ أو رحلة بعيدة. كانت نزهة بسيطة إلى البحر كفيلة بأن تصنع يومًا لا يُنسى، وكانت زيارة الأقارب في القرية أو قضاء أيام في بيت الجد والجدة من أجمل ذكريات الطفولة.
أما اليوم، فقد أصبحت العطلة أكثر ارتباطًا بالتكاليف والإمكانات المادية. السفر، والفنادق، والمطاعم، والنقل، والأنشطة الترفيهية، كلها تحتاج إلى ميزانية قد لا تكون في متناول الجميع. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات، أصبحت الأسرة مطالبة بالتوفيق بين الرغبة في الاستمتاع بالعطلة وبين الحفاظ على توازنها المالي.
وهكذا، لم يعد السؤال بالنسبة إلى كثير من الأسر: إلى أين سنذهب في العطلة؟ بل أصبح: هل نستطيع أصلًا تحمّل تكاليف العطلة؟
ولم تتغير الظروف الاقتصادية وحدها، بل تغير الإنسان أيضًا. فقد دخلت التكنولوجيا والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي بقوة إلى تفاصيل حياتنا. حتى في العطلة، قد نجد أفراد الأسرة جالسين في المكان نفسه، لكن كل واحد منهم يعيش في عالم مختلف عبر شاشة هاتفه. وأصبحت بعض الرحلات تُقاس بعدد الصور والمنشورات التي تُشارك على مواقع التواصل، بدلًا من اللحظات التي تبقى في الذاكرة.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الحياة الحديثة منحت الناس فرصًا جديدة للاستمتاع واكتشاف العالم. فالسفر أصبح أكثر انتشارًا، والأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية أصبحت متنوعة، وأصبح الوصول إلى المعلومات والأماكن أسهل من أي وقت مضى. لكن هذه الوفرة جاءت أيضًا بثمن؛ إذ أصبح الإنسان أكثر استهلاكًا، وأكثر مقارنةً بالآخرين، وأحيانًا أقل قدرة على الاستمتاع بما لديه.
ولعل وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تغيير مفهوم العطلة نفسها. فبدل أن تكون فرصة للراحة والانفصال عن ضغوط الحياة، تحولت أحيانًا إلى سباق غير معلن: من سافر أكثر؟ من اختار المكان الأجمل؟ من نشر الصور الأكثر إثارة؟ وهكذا أصبح البعض يعيش العطلة من أجل الصورة التي سيعرضها للآخرين، لا من أجل اللحظة التي يعيشها فعلًا.
ومع ذلك، ليس من الإنصاف أن ننظر إلى الماضي باعتباره زمنًا مثاليًا، وإلى الحاضر باعتباره زمنًا صعبًا فقط. فلكل زمن ظروفه وتحدياته. لكن ما يبدو واضحًا هو أن بساطة الأمس كانت تمنح العطلة قيمة مختلفة؛ قيمة لا ترتبط بحجم الإنفاق، وإنما بوجود الوقت، ودفء العلاقات، وراحة البال.
ويبقى السؤال الأهم: هل تغيّر الزمن أم الإنسان؟
ربما تغير الاثنان معًا. فالزمن الحديث فرض على الإنسان مسؤوليات وضغوطًا أكبر، والإنسان بدوره غيّر طريقة تعامله مع الوقت والراحة والمتعة. لكن وسط كل هذه التحولات، تظل قيمة العطلة الحقيقية مرتبطة بقدرتنا على استعادة شيء من التوازن: أن نبتعد قليلًا عن ضغط العمل، وأن نمنح الأسرة والأصدقاء وقتًا حقيقيًا، وأن نتذكر أن السعادة لا تحتاج دائمًا إلى سفر مكلف أو أماكن فاخرة.
لقد كانت عطلة الأمس أبسط، لكنها لم تكن بالضرورة أفضل في كل شيء، وهي اليوم أكثر تنوعًا، لكنها أصبحت أكثر تكلفة وضغطًا. وبين الأمس واليوم، ربما لا نحتاج إلى استعادة الماضي كما كان، بل إلى استعادة روح العطلة: راحة بلا تكلف، لقاء بلا شاشات، وفرح لا تحدده القدرة على الإنفاق.
فربما لم تختفِ عطلة زمان تمامًا، وإنما اختفت بعض الأشياء التي كانت تجعلها جميلة: البساطة، والوقت، ولمة العائلة، والقدرة على الفرح بالقليل.
الصيف يتغير، والحياة تتغير، لكن حاجة الإنسان إلى الراحة والفرح والدفء العائلي لا تتغير. وربما تكون أجمل عطلة هي تلك التي تجعلنا نعود إلى حياتنا ونحن أكثر هدوءًا، لا تلك التي تجعلنا نعود منها أكثر إرهاقًا.



