لماذا تغادر المواهب قبل أن تحصل على فرصتها كاملة؟ قضية محمد جمجمي تعيد فتح النقاش

مراكش / عادل التازي
في وقت تشير فيه تقارير إلى اقتراب حارس المرمى محمد جمجمي من الانتقال إلى نهضة بركان الرياضي، تتجاوز القضية حدود صفقة عابرة في سوق الانتقالات، لتعيد إلى الواجهة سؤالًا أعمق حول طريقة تعامل الكوكب المراكشي مع مواهبه الشابة.
فهل يمتلك الكوكب المراكشي اليوم استراتيجية واضحة للحفاظ على أفضل عناصره وتطويرها ومنحها الوقت الكافي لإثبات نفسها؟ أم أن النادي يكتفي بمشاهدة مواهبه وهي تتطور، قبل أن تستفيد منها أندية أخرى؟
قضية جمجمي تفتح النقاش من جديد حول منظومة تكوين المواهب داخل النادي، وآليات تقييمها، ومدى قدرة الفريق على تحويل التكوين إلى مشروع رياضي مستدام، بدل أن تتحول المواهب الواعدة إلى فرص ضائعة أو أهداف سهلة للأندية المنافسة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يغادر اللاعبون لأنهم لم يحصلوا على فرصتهم كاملة داخل الكوكب، أم لأن النادي لا يملك بعدُ مشروعًا واضحًا للاحتفاظ بهم وتطويرهم؟

ومن الواضح أن السؤال لا يتعلق بمستقبل محمد جمجمي في حد ذاته. فبعد موسم رائع، أثبت خلاله الحارس نفسه ضمن أفضل حراس المرمى في بطولة Botola Pro، لا يسعنا إلا أن نتمنى له مواصلة تطوره في بيئة رياضية ومالية تليق بإمكانياته وتمنحه الظروف المناسبة لمواصلة التألق.
السؤال الحقيقي يوجد في مكان آخر: لماذا لا تزال شركة الكوكب المراكشي تجد صعوبة في تسويق أفضل لاعبيها مباشرة في الأسواق الخارجية؟ ولماذا يبدو أن بعض مواهب النادي تضطر إلى المرور أولًا عبر نادٍ مغربي آخر، قبل أن تجد طريقها، بعد أشهر قليلة، إلى بطولات الخليج أو إلى وجهات أخرى أكثر مردودية من الناحية المالية؟
لم تعد كرة القدم الحديثة تقتصر على اكتشاف اللاعبين وتكوينهم وتطوير مستواهم داخل الملعب. لقد أصبحت صناعة متكاملة، تمثل فيها القدرة على التفاوض، وبناء شبكة قوية من العلاقات، والتسويق الذكي للمواهب، وتحويلها إلى قيمة رياضية واقتصادية، عوامل حاسمة في نجاح الأندية واستدامتها.
فأفضل الأندية تنظيمًا اليوم لا تنظر إلى اللاعب الموهوب باعتباره مجرد عنصر داخل الفريق، بل باعتباره أيضًا أصلًا رياضيًا واقتصاديًا يمكن أن يساهم في تطوير النادي على المدى الطويل. ومن هنا تأتي أهمية وجود استراتيجية واضحة لتثمين المواهب، وحمايتها من الاستنزاف المبكر، وفتح الأبواب أمامها في الأسواق التي تتناسب مع قيمتها الحقيقية.
والواقع أن عددًا من الأندية المغربية نجح بالفعل في تطوير هذه المعرفة، مستفيدًا خصوصًا من علاقاته القوية والمتنامية مع أسواق الخليج. وهذه النجاحات لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة رؤية واضحة، واستراتيجية طويلة المدى، وشبكة علاقات يتم بناؤها وتطويرها باستمرار.
ومن هنا، فإن قضية محمد جمجمي ينبغي ألا تُختزل في سؤال: إلى أين سينتقل الحارس؟ بل يجب أن تدفع إلى طرح سؤال أكبر وأكثر أهمية: كيف يستطيع الكوكب المراكشي أن يجعل من مواهبه قيمة رياضية واقتصادية حقيقية يستفيد منها النادي، بدل أن تكون مجرد محطة مؤقتة في مسار لاعبين ينتهي بهم المطاف في أندية أخرى؟
الكوكب المراكشي، بما يحمله من تاريخ ومكانة وجماهيرية، وبما يزخر به من مواهب كروية واعدة، لم يعد من المنطقي أن يكتفي بدور «نادي التكوين» أو محطة عبور للاعبين. بل يجب أن يمتلك القدرة على التفاوض مباشرة مع الأندية الأجنبية، والدفاع عن القيمة الحقيقية للاعبيه، وتعظيم العائد الرياضي والمالي من كل عملية انتقال.
لذلك، إذا رأت إدارة النادي أنها غير قادرة على تلبية التطلعات المالية المشروعة لمحمد جمجمي، فإن المنطق الرياضي والاقتصادي يفرض عليها، قبل كل شيء، استكشاف فرص السوق الدولية. مثل هذا النهج قد يخدم مصلحة اللاعب من جهة، ويتيح للنادي من جهة أخرى الاستفادة من عائد انتقال أكثر تناسبًا مع قيمته الفنية وإمكاناته.
في المقابل، فإن انتقال لاعب من مراكش إلى نادٍ مغربي آخر، قبل أن يغادره بعد بضعة أشهر إلى الخارج مقابل مبلغ أعلى بكثير، سيطرح حتمًا تساؤلات مشروعة حول قدرة الكوكب على الدفاع عن مصالحه والاستثمار الكامل في رأسماله الرياضي.
فأنصار النادي لا يطالبون بالمستحيل. إنهم يريدون ببساطة أن يروا ناديهم يحمي إرثه الرياضي، ويصون ثمرة عمله التكويني، ويدافع عن قيمة لاعبيه، ويستفيد إلى أقصى حد ممكن من المواهب التي ساهم في اكتشافها وتطويرها.
وإذا ما تأكدت المعطيات المتداولة حاليًا، فمن الأفضل أن تقدم إدارة الكوكب توضيحات واضحة بشأن رؤيتها واستراتيجيتها. فالمسألة لا تتعلق بمحمد جمجمي وحده، ولا ينبغي اختزالها في اسم لاعب واحد؛ بل إن سياسة النادي بأكملها في مجال تطوير المواهب وتثمينها أصبحت اليوم موضع نقاش.
في نهاية المطاف، لطالما عرف الكوكب المراكشي كيف يكوّن لاعبين ذوي جودة ويمنح الكرة المغربية مواهب قادرة على المنافسة. لكن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد يكمن في اكتشاف المواهب أو تطويرها فحسب، بل في معرفة كيفية الاحتفاظ بقيمتها وتعظيمها حتى نهاية مسارها داخل النادي.
وإلا، فستواصل أندية أخرى الاستفادة من الجزء الأكبر من القيمة المضافة، رياضيًا وماليًا، التي يصنعها الكوكب.
أما النادي الذي يطمح إلى استعادة مكانته بشكل مستدام والعودة إلى دائرة الأدوار القيادية في كرة القدم المغربية، فلم يعد بإمكانه أن يكتفي بدور نقطة الانطلاق. عليه أن يتحول إلى فاعل رئيسي في سلسلة القيمة الكروية المغربية، قادر على صناعة المواهب، وتطويرها، وتسويقها، والتفاوض عليها، والاستفادة من قيمتها الحقيقية.