وجهات نظر

أيت الحنا يكتب…أوزين وملف «الكراطة».. هل ظلمته الصورة وأنصفه الزمن؟

 

بعد أكثر من عقد على واقعة ملعب الأمير مولاي عبد الله التي التصقت باسم وزير الشباب والرياضة الأسبق محمد أوزين، عاد النقاش إلى الواجهة من جديد على خلفية مشاهد شهدتها منافسات كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تسببت الأحوال الجوية وتقلبات الطقس في اضطرابات أثرت على سير بعض المباريات، وأعادت إلى الأذهان أسئلة قديمة حول حدود المسؤولية في تدبير المنشآت الرياضية.

ففي الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة من أكثر الدول تقدماً على مستوى البنيات التحتية الرياضية والتجهيزات التقنية، لم تمنع الإمكانيات الضخمة من تسجيل اختلالات فرضتها الظروف المناخية، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول الطريقة التي تم بها التعامل مع حادثة ملعب الأمير مولاي عبد الله سنة 2014، والتي تحولت بسرعة إلى قضية رأي عام انتهت بإعفاء الوزير محمد أوزين من مهامه.

لقد رسخت الذاكرة الجماعية صورة مرتبطة بما عُرف إعلامياً بـ”الكراطة”، وهي صورة كانت كافية لتشكيل حكم شعبي وسياسي استمر لسنوات طويلة. غير أن مرور الزمن وظهور أحداث مشابهة في ملاعب عالمية كبرى يدفعان اليوم إلى إعادة قراءة الملف بعيداً عن الانطباعات السريعة والأحكام الجاهزة.

فالمسؤولية في تدبير المنشآت الرياضية لا تتوقف عند شخص واحد، بل تتداخل فيها اختصاصات متعددة تشمل الجوانب التقنية والإدارية والتدبيرية، فضلاً عن الشركات المكلفة بالصيانة والتهيئة. ومن ثم، فإن أي تقييم موضوعي لما حدث يقتضي العودة إلى المعطيات الرسمية والتقارير التي أُنجزت آنذاك، من أجل التمييز بين المسؤولية السياسية المباشرة والمسؤوليات الأخرى المرتبطة بالتنفيذ والتدبير الميداني.

ولا يعني هذا الطرح تبرئة أي طرف أو إعادة كتابة التاريخ وفق منطق المراجعة الانتقائية، بقدر ما يعكس حاجة مشروعة إلى قراءة أكثر توازناً للأحداث، خاصة عندما تكشف الوقائع اللاحقة أن حتى الدول الأكثر تقدماً ليست بمنأى عن تأثيرات المناخ ومفاجآته.

لقد تحول ملف أوزين مع مرور السنوات إلى نموذج للنقاش حول قوة الصورة الإعلامية في صناعة الأحكام العامة. فكم من قضية اختزلت في مشهد واحد، وكم من شخص ارتبط اسمه بواقعة معينة دون أن يطلع الرأي العام على كل تفاصيلها وخلفياتها. وبين الصورة التي رسخت في الأذهان والحقيقة الكاملة التي قد تكشفها الوثائق والمعطيات، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى الإنصاف الذي حظي به الرجل في تلك المرحلة.

اليوم، وبعد مرور سنوات على الواقعة، يبدو من المشروع التساؤل عما إذا كان الوقت قد حان لإعادة تقييم الملف بمنظور أكثر هدوءاً وموضوعية، بعيداً عن تأثير السخرية الإعلامية وضغط اللحظة. فالتاريخ لا يتوقف عند الأحكام الأولى، بل يظل قابلاً للمراجعة كلما ظهرت معطيات جديدة أو تغيرت زوايا النظر إلى الأحداث.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان محمد أوزين مذنباً أو بريئاً، بل ما إذا كانت الصورة التي حكمت عليه لسنوات طويلة قد عكست بالفعل كل الحقيقة. فبين ما تصنعه اللحظة الإعلامية وما يكشفه الزمن، تبقى المسافة واسعة، ويظل الإنصاف رهيناً بقدرتنا على إعادة قراءة الوقائع بعيداً عن الأحكام المسبقة والانطباعات العابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى