وجهات نظر

عبد الباسط لطفي يكتب …غيّروا مناهج التعليم… تغيّروا الإنسان

لا يمكن أن ننتظر إنساناً مختلفاً ونحن نُلقّنه المناهج نفسها، ونغرس فيه التصورات نفسها، ونطالبه في النهاية بأن يحقق نتائج مختلفة.

كلما اهتز الرأي العام أمام مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، أو أمام مظاهر العنف، أو ضعف روح المبادرة، أو فقدان الثقة في المستقبل، نتجه مباشرة إلى البحث عن الحلول الأمنية أو الاقتصادية. غير أن سؤالاً أكثر عمقاً يظل غائباً: *ماذا تعلم هذا الإنسان داخل المدرسة حصرا ؟ وسنعود الى البيت والأسرة قصرا .

فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين المعلومات فقط، بل هي المؤسسة التي تصنع طريقة التفكير، وتشكل الشخصية، وتبني علاقة الفرد بوطنه ومجتمعه. ومن هنا، فإن أي إصلاح حقيقي يبدأ من القسم او الفصل فل تسمونه ما تشاؤون قبل أن يبدأ من أي زاوية اخرى. لقد آن الأوان لإعادة النظر في المناهج الدراسية حلها من تربية إسلامية والتي اخجل شخصيا من تدريسها ونحن بلد اسلامي -الله يرحم الحسن الثاني الذي فرض المسيد قبل الولوج إلى الفصول الدراسية وكان ملكنا اليوم نموذجا احتدي به- وووو….و الاجتماعيات خصوصاً، لأنها المادة التي يفترض أن تجعل التلميذ يفهم واقعه قبل أن يحفظ جغرافية العالم. ليس الخطأ في أن يدرس المتعلم أن الولايات المتحدة قوة اقتصادية، أو أن الاتحاد الأوروبي تكتل اقتصادي مؤثر، فهذه معارف ضرورية، لكن الخطأ أن يتخرج وهو لا يفهم أسباب البطالة في بلده، ولا تحديات التنمية في منطقته، ولا معنى المواطنة، ولا كيف يمكن أن يكون جزءاً من الحل. ومنه ينبغي أن تتحول مادة الاجتماعيات إلى مختبر لتحليل الواقع المغربي، تناقش قضايا الهجرة، والفوارق المجالية، والبيئة، والماء، وسوق الشغل، والاقتصاد الوطني، والمشاركة المدنية، حتى يشعر التلميذ أن ما يتعلمه مرتبط بحياته اليومية، وليس مجرد صفحات سيطويها بعد الامتحان.

إن مشاهد الهجرة نحو سبتة المحتلة يجب ألا تُقرأ فقط باعتبارها حدثاً أمنياً، بل باعتبارها أيضاً دعوة إلى مراجعة الطريقة التي نُعد بها أبناءنا للمستقبل. فلو هؤلاء الشباب فهموا ا وطنهم ووعوا تحدياته، وامنوا وهذا هو الاهم بأن لهم مكاناً فيه، لكانوا أكثر قدرة على صناعة الأمل الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش الاخير من البحث عنه خارج الحدود.

التعليم لا يغيّر المجتمع في يوم واحد، لكنه يغيّر الإنسان، والإنسان هو الذي يغيّر المجتمع. لذلك، فإن إصلاح المناهج ليس شأناً تربوياً ضيقاً، بل مشروعاً وطنياً يرسم ملامح المغرب الذي نريده بعد عشرين أو ثلاثين سنة. فاليوم، لا يتجاوز الحاصلون على تعليم عالٍ في المغرب 13.5% من نسبة السكان بين 25 و64 سنة، وهي نسبة بعيدة عن متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الذي يفوق 40%. كما أن حوالي 30% من البالغين لم يكملوا التعليم الابتدائي، ونحو 30% آخرين لم يتجاوزوا هذا المستوى، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية وفرص الشغل وجودة الرأسمال البشري.

وتكشف نتائج PISA 2022 أن التحدي لا يتعلق بالولوج إلى المدرسة فقط، بل بجودة التعلمات؛ إذ حصل التلاميذ المغاربة، في المتوسط، على 365 نقطة في الرياضيات مقابل 472 نقطة في متوسط دول OECD وهم بعيدون كل البعد، و339 نقطة في القراءة مقابل 476 نقطة، فيما لم يبلغ الحد الأدنى من الكفايات في الرياضيات سوى 18% من التلاميذ، مقابل 69% في متوسط دول المنظمة.

وفي سوق الشغل، تشير المعطيات إلى أن قرابة مليون ونصف شاب مغربي (15–24 سنة) ليسوا في عمل ولا تعليم ولا تكوين (NEET)، وهو ما يمثل قنبلة موقوتة رأينا بوادر انفجارها امام باب سبتة المحتلة. وتربط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية هذا الوضع، جزئياً، بضعف المخرجات التعليمية والحاجة إلى تحسين أساليب التدريس والمهارات.

فالإنسان… ثم الإنسان… ثم الإنسان، هو أساس التنمية، وهو أيضاً خط الدفاع الأول ضد اليأس، وضد الهجرة القسرية، وضد ضياع الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى