وجهات نظر

أحداث سبتة ومليلية.. الدروس التي لا ينبغي تجاهلها

بقلم: محمد سقراط
ناشط سياسي وحقوقي

 

ما جرى أمس في سبتة ومليلية المحتلتين يفرض الوقوف بجدية لاستخلاص الدروس، بعيدًا عن الاكتفاء بالتفسيرات الظرفية أو الانشغال بالنقاش حول من حرّض، أو الحديث عن فرضيات التدخلات الخارجية الكرغولية وسياسات التحريض، ولماذا وقع ذلك في هذا التوقيت بالذات. فهذه الأسئلة، رغم مشروعيتها وأهميتها في كشف الملابسات، لا تعالج أصل الإشكال، ولا تمنع تكرار مثل هذه الأحداث ما دامت أسبابها العميقة قائمة.

إن التحدي الحقيقي يكمن في مواجهة الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي تمس شرائح واسعة من المجتمع. وقد دقت تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات دستورية وهيئات وطنية ناقوس الخطر بشأن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، وما يرافقها من تغير في أوضاع الأسر وتطلعاتها. ومن ثم، فإن الأولوية ينبغي أن تنصرف إلى البحث عن حلول عملية لفئات واسعة لا تتوفر على شهادة مدرسية أو تكوين مهني، واعتماد سياسات أكثر نجاعة لمحاربة الفقر والهشاشة، وضمان احترام حقوق ملايين الأجراء في القطاع الخاص والمهن الحرة، من خلال التصريح بهم لدى صناديق الحماية الاجتماعية والتقاعد، بما يكفل لهم الحقوق التي يضمنها القانون.

كما أن المجتمع المغربي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا عميقًا في منظومة تطلعاته وانتظاراته. فالكثير من المواطنين لم يعودوا يقبلون بمنطق القناعة بمعناه التقليدي أو الاكتفاء بـ”ما جاب الله وصافي”، بل أصبحوا يتطلعون إلى حياة كريمة، وفرص عادلة، وإمكانيات حقيقية للارتقاء الاجتماعي، أسوة بغيرهم. وهذه التحولات تفرض على صناع القرار مواكبتها بسياسات عمومية واقعية، قادرة على الاستجابة للانتظارات المشروعة، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للسياسات العمومية، وإعادة تقييم أداء مختلف المؤسسات، من حكومة وبرلمان وأحزاب وجماعات ترابية وجهات ومؤسسات الحكامة والمجالس الوطنية، بعيدًا عن الاكتفاء بالخطاب الترويجي أو تجميل الواقع. فالمرحلة تقتضي شجاعة في التشخيص، وجرأة في اتخاذ القرار، وإرادة حقيقية في التنفيذ، لأن معالجة الاختلالات لم تعد تحتمل مزيدًا من التأجيل.

لقد استخلص المغرب دروسًا مهمة من محطة 20 فبراير سنة 2011، وهو ما مكّنه من الحفاظ على استقراره وتعزيز مكانته إقليميًا ودوليًا. غير أن المطلوب اليوم هو استحضار تلك الروح الإصلاحية من جديد، ليس فقط على مستوى الدولة، بل أيضًا داخل الحكومة، والمؤسسات العمومية، والجماعات الترابية، والقطاع الخاص، والأحزاب السياسية، والبرلمان، والإعلام، حتى لا تتراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وتتحول إلى أزمات أكبر يصعب احتواؤها.

إن معالجة الأسباب العميقة للتوترات الاجتماعية تظل السبيل الأمثل لتعزيز الاستقرار وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسساته. فالمشكلات التي لا تجد حلولًا حقيقية قد تبقى كامنة تحت السطح، لكنها قد تعود إلى الظهور في أي لحظة وبأشكال مختلفة. والاستقرار الدائم لا يتحقق فقط بالإجراءات الأمنية أو بالخطاب السياسي، بل يتعزز أيضًا بالعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والإنصات الحقيقي لنبض المجتمع بمختلف فئاته، والاستجابة لتطلعات الشباب والأسر.

فالمغرب، الذي استطاع في محطات سابقة تحويل الأزمات إلى فرص للإصلاح، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بتجديد تعاقده الاجتماعي، وترسيخ سياسات عمومية أكثر عدالة ونجاعة، لأن الاستثمار في الإنسان هو الضمانة الحقيقية للاستقرار والتنمية.

حفظ الله المغرب، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وألهم المسؤولين والمنتخبين حسن الإنصات لهموم المواطنين، والعمل على صون كرامتهم، وتحقيق تطلعاتهم المشروعة في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى