سيدي محمد العايدي الإدريسي يكتب : حين تكشف الرياضة ما تخفيه مؤشرات الاستثمار…

قد تبدو مباراة لكرة القدم مجرد منافسة رياضية، لكنها في كثير من الأحيان تكشف عن أنماط سلوكية تتجاوز حدود الملعب. فطريقة التعامل مع القانون، واحترام قرارات الحكم، والانضباط تحت الضغط، وقبول الهزيمة أو الفوز بروح رياضية، ليست مجرد تفاصيل عابرة، بل تعكس جانبًا من الثقافة العامة للمجتمعات والمؤسسات.
ومن واقع خبرتي في مجال الاستثمار، أؤمن بأن رأس المال يراقب هذه المؤشرات بعين لا تقل اهتمامًا عن متابعته للأرقام الاقتصادية. فالمستثمر لا يبحث فقط عن الموارد الطبيعية، ولا عن حجم السوق، بل يبحث قبل كل شيء عن بيئة يسودها احترام القواعد، واستقرار المعاملات، والقدرة على التنبؤ بالسلوك.
قبل أكثر من عشر سنوات، قادتني تجربتي المهنية إلى عدد من دول غرب إفريقيا. وكانت تلك التجربة كافية لأدرك أن التحدي الحقيقي لم يكن في الإمكانات الاقتصادية، فهي موجودة بلا شك، وإنما في بعض الممارسات التي كانت آنذاك تؤثر في مناخ الأعمال، من ضعف الالتزام بالمواعيد والعقود، إلى غياب ثقافة الانضباط في بعض البيئات المهنية. وهي ملاحظات مرتبطة بتلك المرحلة الزمنية، ولا تعني بحال تعميمًا على جميع الدول أو أن الأوضاع لم تتطور منذ ذلك الحين.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الاستثمار يزدهر حيث توجد الثقة. والثقة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالسلوك اليومي للأفراد والمؤسسات. فحين تصبح القاعدة محترمة، والالتزام قيمة، وسيادة القانون ممارسة لا شعارًا، يشعر المستثمر أن أمواله في بيئة آمنة.
لهذا، فإن الرياضة ليست بعيدة عن الاقتصاد كما يظن البعض. فالمنتخب الذي يحترم قواعد اللعبة، ويتحلى بالانضباط، ويقبل قرارات التحكيم، يقدم، من حيث لا يدري، صورة إيجابية عن ثقافة مجتمع بأكمله. أما السلوكيات التي تطغى عليها الفوضى أو الاعتراض المستمر أو التنصل من القواعد، فإنها تترك انطباعًا يتجاوز حدود المباراة.
إن بناء صورة دولة جاذبة للاستثمار يبدأ من المدرسة، ويمر عبر الإدارة، ويظهر في الشارع، وقد ينعكس أحيانًا في الملعب. فالقيم لا تتجزأ، والانضباط ليس موسميًا،
واحترام القانون لا يقتصر على النصوص، بل هو ثقافة تتجسد في كل تفاصيل الحياة.



