وجهات نظر

ابتسامة القائد بعد الهزيمة لحظة إنسانية أم علامة على خسارة المعركة النفسية؟

ذ. إيمان زكرياء – لندن.

لماذا تجاوز النقاش مجرد ابتسامة؟
هل كانت ابتسامة أشرف حكيمي بعد نهاية مباراة المغرب وفرنسا مجرد رد فعل عفوي بين لاعبين تجمعهم الصداقة والزمالة، أم أنها كشفت، في لحظة شديدة الحساسية، غياب الصورة القيادية التي كان ينتظرها الجمهور؟
لا أطرح هذا السؤال بحثا عن مؤامرة، ولا أشكك في وطنية حكيمي أو حبه للمغرب، كما لا أدعي معرفة ما دار في داخله. أقدم قراءة شخصية كمشجعة مغربية التقطت من أداء قائد المنتخب ولغة جسده رسالة لم تستطع تجاهلها. لذلك لا أحاكم النيات، بل أفحص ما ظهر في الملعب وما وصل إلى الجمهور.
لم تصنع الابتسامة وحدها هذا الانطباع. صنعه السياق كله: أداء فني لم يبلغ مستوى التوقعات، وفريق بدا أحيانا أقل ثقة، وقائد لم يظهر بالحضور النفسي الذي تحتاجه المباريات الكبرى، ثم لحظة هادئة بعد صافرة النهاية أمام لاعبين يعرفهم جيدا من فرنسا.

يحمل القائد الشارة أم يحمل الفريق؟
قد يمر أي لاعب بيوم يكون فيه ضعيف العطاء والحضور والفنية، وقد تخونه السرعة أو الدقة أو الجاهزية. لا تنفي هذه الحقيقة قيمة اللاعب ولا تاريخه. لكن القائد لا يقاس فقط بعدد تدخلاته أو انطلاقاته، يقاس أيضا بقدرته على بث اليقين حين يضطرب الفريق، وعلى رفع الصوت حين يتراجع الإيقاع، وعلى رفض الاستسلام حين تبدو المهمة صعبة.
كنت أنتظر أن يطالب حكيمي زملاءه بالمزيد، وأن يوقظ فيهم الغضب الرياضي، وأن يذكرهم بلغة جسده قبل كلماته بأن المباراة لا تنتهي إلا مع الصافرة. لم أحتج إلى استعراض مسرحي أو غضب مفتعل، بل احتجت إلى حضور يجعل الفريق والجمهور يشعران بأن القائد ما زال يؤمن بإمكان العودة.
“تفرض عليك ممارسة كرة القدم في ناد كبير مسؤولية هائلة، لكن عليك أن ترتفع إلى مستوى التحدي” (برايان روبسون – “Manchester is my Heaven”، 2018.)

تفكر القيادة قبل أن تنفعل.
تستمد القيادة قوتها من الوعي بالمباراة ومن قراءة لحظاتها، لا من الصراخ وحده. لذلك يختصر يوهان كرويف جوهر اللعبة حين يقول: “تلعب كرة القدم بعقلك.” (يوهان كرويف – جدارية مستوحاة من أقوال كرويف، 2019.)
يعني ذلك أن القائد يقرأ ارتباك زملائه، ويقدر أثر كل إشارة يرسلها، ويفهم أن سلوكه يصبح جزءا من الخطة النفسية. فإذا ظهر مطمئنا أكثر مما ينبغي في لحظة الخسارة، فقد يمنح الجمهور انطباعا بأن الفريق تصالح مع النتيجة قبل أن يهضمها.

ماذا قالت الابتسامة فعلا؟
قد تكون الابتسامة تفريغا للتوتر، أو ارتياحا لانتهاء مباراة مرهقة، أو تحية طبيعية لأصدقاء وزملاء. تظل هذه الاحتمالات معقولة، ولا يملك أحد حق إلغائها. لكن الابتسامة بدت لي أقرب إلى راحة انتهاء المواجهة منها إلى مرارة العجز عن تغيير نتيجتها.
لا أقول إن حكيمي فرح بخسارة المغرب، ولا أقول إنه دخل المباراة راغبا في الهزيمة. يفتقر هذا الاتهام إلى الدليل ويتعارض مع الإنصاف. أقول فقط إن سلوكه أعطاني انطباعا بأنه تصالح نفسيا مع احتمال الخسارة، وربما قبله قبل أن تنتهي المواجهة.
قد يكون انطباعي هذا خاطئا، لكن القيادة لا ترتبط بما يشعر به القائد في داخله فقط، وإنما تتصل أيضا بما يراه زملاؤه وجمهوره. يرسل القائد رسائل عبر صمته أيضا: يرسلها بطريقة وقوفه بعد الهدف، وبسرعته في جمع اللاعبين، وبتعبيرية ملامح وجهه، وبكيفية مغادرته الملعب.

لا تختزل الهزيمة في النتيجة.
قال المدرب أوتمار هيتسفيلد: “ليس الانتصار كل شيء، لكن من دون الانتصار لا يبقى لأي شيء معناه.” (أوتمار هيتسفيلد – “Hetfield in quotes”، 2014.).
لا يدعو هذا القول إلى عبادة النتيجة، بل يذكر بأن المنافسة الكبرى تحمل مطلبا واضحا: يجب أن يسعى الفريق إلى الفوز بكل طاقته النفسية والبدنية. وقد يتقبل الجمهور الهزيمة حين يرى المقاومة، لكنه يصعب عليه أن يتقبلها حين يشعر بأن الخصم انتصر نفسيا قبل أن يحسم المباراة.
حين تدخل الذاكرة التاريخية إلى الملعب
لم تمثل مباراة فرنسا بالنسبة إلى كثير من المغاربة تسعين دقيقة فقط. حملت فرنسا في الذاكرة المغربية تاريخا استعماريا وعلاقة سياسية وثقافية طويلة ومعقدة. لذلك قرأ جزء من الجمهور المواجهة بوصفها فرصة رمزية لإثبات الندية وكسر صورة قديمة قسمت العلاقة إلى طرف قوي متفوق وطرف يلاحقه من موقع الإعجاب أو التبعية.
كان الانتصار سيمنح هذا الجمهور شعورا يتجاوز التأهل الرياضي. كان سيمنحه لحظة يستعيد فيها الثقة، ويؤكد أن الماضي لا يحدد الحاضر، وأن المغرب يستطيع مواجهة فرنسا من موقع الندية لا من موقع الخوف أو الانبهار.
لهذا آلمت الهزيمة بعض المشجعين على نحو مضاعف. لم تؤلمهم لأنها وقعت فقط، فالخسارة ممكنة أمام أي منتخب، بل آلمتهم لأن الفريق بدا، في بعض اللحظات، وكأنه احترم فرنسا أكثر مما آمن بنفسه. وكأن صورة تفوقها ظلت حاضرة في الخلفية حتى من دون أن ينطق بها أحد.

لا نحمل اللاعب تاريخا كاملا… لكننا نفهم الجمهور.
لا يجوز أن ننسب إلى حكيمي عقلية ما بعد استعمارية أو شعورا بالدونية من دون دليل. لا نعرف ما شعر به، ولا يحق لنا تحويل لقطة إلى محاكمة أخلاقية. لكن يمكننا أن نفهم لماذا قرأ الجمهور تلك اللقطة من خلال ذاكرته الجمعية.
لا يشاهد الناس كرة القدم بعيون رياضية فقط. يشاهدونها أحيانا من خلال تاريخهم وكرامتهم والصور التي ورثوها عن القوة والضعف. لذلك قد يرى المشجع في ابتسامة قائده بعد الهزيمة أمام فرنسا أكثر من تحية عادية، قد يراها، ولو بقسوة، علامة على قبول الصورة القديمة التي تجعل انتصار الطرف الآخر طبيعيا وخسارتنا متوقعة.

تصنع ردة الفعل سقف الفريق.
يقول روبن دياز: “تبدأ طريقة رد فعلك، شيئا فشيئا، في إخبارك إلى أي مدى تستطيع الوصول.” (روبن دياز – حوار عن القيادة والطموح، 2026.)
تحدد هذه الفكرة جوهر القيادة في الأزمات. لا تمنع القيادة استقبال الهدف، لكنها تحدد ما يحدث بعده. لا تضمن الانتصار، لكنها تمنع الانهيار. ولا تطالب القائد بإخفاء إنسانيته أو صداقاته، لكنها تطالبه بأن يرتب لحظاته: يقاوم أولا، ويواسي زملاءه ثانيا، ثم يحيي أصدقاءه حين يكتمل واجبه الرمزي تجاه الفريق والجمهور.

يقاوم القائد الشعور بالدونية.
يجب أن يرسل القائد في مثل هذه المباريات رسالة واضحة: لا تكبر فرنسا على المغرب، ولا يلعب التاريخ المباراة، ولا تمنح العلاقات الشخصية أحدا حق الانتصار مسبقا. يترك اللاعب صداقاته خارج التنافس، ثم يستعيدها بعد أن يظهر لجمهوره أنه استنفد كل ما يملك.
لا يحمل القائد الشارة فقط، يحمل الثقل النفسي للمباراة. يؤمن أولا عندما يشك الآخرون، ويقاوم أولا عندما يتراجع الفريق، ويظل آخر من يمنح الخصم شعورا بأنه انتصر في المعركة الداخلية.

أخيرا، خسارة نتيجة أم خسارة معنى؟
بقيت ابتسامة حكيمي عالقة في ذهني لا لأنها تثبت أنه أراد الخسارة، ولا لأنها تنفي وطنيته، بل لأنها دفعتني إلى السؤال: هل جسد قائد المنتخب فعلا القوة والصلابة والرفض التي احتاج إليها المغرب في تلك الليلة؟
قد أخطئ في القراءة، وقد تخفي اللقطة ألما لم يظهر على الوجه. لكن الصورة التي وصلت إلي ظلت واضحة: لم يخسر المغرب النتيجة فقط، بل خسر، في لحظات كثيرة، جزءا من المعركة النفسية.
تدفعنا هذه الحادثة إلى نقاش أوسع من شخص حكيمي: كيف نصنع القائد؟ هل تكفي النجومية والخبرة والشارة، أم تحتاج القيادة إلى إعداد نفسي وثقافي وقدرة واعية على حمل رمزية المنتخب؟ هنا يبدأ السؤال الحقيقي، وهنا تتجاوز الابتسامة حدود اللحظة لتصبح مدخلا إلى التفكير في معنى القيادة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى