يونس المنصوري يكتب …من كرامة الجسد إلى اقتصاد الصورة: كيف تحوّل الإنسان إلى واجهة عرض في العصر الرقمي؟

لم يكن أكثر المتشائمين قبل عقود قليلة يتوقع أن يأتي يوم تصبح فيه الصورة أكثر تأثيراً من الفكرة، والمظهر أكثر حضوراً من الجوهر والانتباه أكثر قيمة من المعرفة. لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم يبدو وكأنه يسير في هذا الاتجاه بخطى متسارعة حتى أصبح الإنسان نفسه مهدداً بالتحول من كائن يصنع المعنى إلى كائن يصنع الصورة.
ولعل أكثر التحولات إثارة للانتباه في هذا العصر ما يتعلق بالجسد، وخصوصاً جسد المرأة الذي انتقل، خلال قرن واحد فقط، من دائرة الخصوصية إلى قلب الصناعة الإعلامية والاقتصاد الرقمي. لم يعد الجسد مجرد جزء من الهوية الإنسانية، بل أصبح أحد أكثر الموارد قدرة على جذب الانتباه وتحقيق الأرباح وتوليد التفاعل.
في الماضي، كانت الملابس تُصنع لتستر الجسد أو تحميه أو تعبر عن هوية ثقافية واجتماعية معينة. أما اليوم فقد تحولت الموضة إلى صناعة عالمية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، لا تبيع الأقمشة فقط، بل تبيع أنماطاً من الحياة وصوراً ذهنية عن الجمال والنجاح والقبول الاجتماعي
لقد كان مبتكر فكرة الموضة الحديثة عبقرياً من نوع خاص. لم يكن هدفه بيع الثياب فقط، بل إقناع الإنسان بأن ما يملكه لم يعد كافياً. فإذا كان الثوب طويلاً أصبح القصير هو رمز العصر، وإذا كان واسعاً أصبح الضيق عنوان الأناقة، وإذا انتشرت صيحة معينة سارعت الصناعة إلى إنتاج نقيضها وهكذا أصبح التغيير قيمة في حد ذاته، لا لسبب سوى أن عجلة الاستهلاك يجب أن تستمر بالدوران.
لكن القصة لم تتوقف عند حدود الثوب. فمع صعود التلفزيون ثم الإنترنت ثم وسائل التواصل الاجتماعي، انتقل الاهتمام من الملابس إلى الجسد نفسه. لم يعد السؤال ماذا ترتدي المرأة؟ بل كيف تبدو المرأة؟ ثم تطور السؤال أكثر ليصبح: كيف يمكن أن تحصد الصورة أكبر قدر من المشاهدات والإعجابات والتفاعل؟
هنا دخلت الخوارزميات على الخط. فهذه الأنظمة الرقمية لا تكافئ العمق بقدر ما تكافئ ما يجذب النظر سريعاً. وما يثير الانتباه ينتشر أكثر، وما ينتشر أكثر يحقق أرباحاً أكبروهكذا نشأ اقتصاد جديد يمكن تسميته بـ”اقتصاد الصورة”، حيث أصبح الظهور قيمة مستقلة عن المضمون
في هذا السياق، لم تعد المرأة وحدها ضحية هذا التحول بل أصبح الرجل أيضاً جزءاً من المنظومة نفسها. غير أن الضغط الواقع على المرأة ظل أكبر بحكم أن السوق اكتشفت منذ زمن طويل أن الجسد الأنثوي من أكثر الأدوات قدرة على جذب الانتباه وتحويله إلى سلعة.
ومن هنا بدأت الحدود القديمة تتراجع تدريجياً. فما كان يعتبر جريئاً قبل عشرين عاماً أصبح عادياً اليوم، وما كان يثير الجدل بالأمس صار جزءاً من المشهد اليومي ومع كل خطوة جديدة كانت السوق تقدم الأمر باعتباره انتصاراً للحرية الفردية، بينما كانت في الوقت نفسه تجني أرباحاً هائلة من تحويل الجسد إلى مادة استهلاكية وصورة قابلة للتداول.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة النساء أو مصادرة حقهن في الاختيار لأن المشكلة أعمق من اختيارات الأفراد. القضية الحقيقية تكمن في السؤال التالي هل نحن أمام حرية إنسانية حقيقية، أم أمام شكل جديد من أشكال التوجيه الثقافي والاقتصادي الذي يجعل الإنسان يعتقد أنه يختار، بينما تُعاد صياغة رغباته بصمت من خلال الإعلانات والمؤثرين والخوارزميات؟
في المغرب، كما في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية يكتسب هذا السؤال حساسية خاصة فالمجتمع الذي بُني تاريخياً على مفاهيم الكرامة والستر والاعتبار الاجتماعي يجد نفسه اليوم أمام ثقافة عالمية جديدة تجعل الظهور غاية في حد ذاته. وبين هذين العالمين تعيش الأجيال الجديدة حالة من التوتر المستمر بين ما ورثته من قيم وما تتعرض له يومياً من رسائل بصرية عابرة للحدود.
لقد كان التراث الإنساني والديني على وجه الخصوص ينظر إلى الجسد باعتباره جزءاً من كرامة الإنسان لا بديلاً عن إنسانيته فالإنسان لم يكن يُقاس بما يظهر منه، بل بما يقدمه من علم وعمل وأثر. وكانت القيمة الحقيقية تكمن في الجوهر لا في الغلاف وفي السيرة لا في الصورة.
أما اليوم، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في نوع اللباس ولا في طول الفستان أو قصره، بل في التحول الحضاري الذي يجعل الصورة تحل محل المعنى، والانتباه يحل محل القيمة، والظهور يحل محل الإنجاز.
إن السؤال الذي سيواجه مجتمعاتنا خلال العقود القادمة ليس سؤال الموضة ولا سؤال المرأة وحدها بل سؤال الإنسان نفسه ماذا يبقى من الكرامة الإنسانية عندما يصبح الجسد مشروعاً تجارياوالصورة رأس مال والانتباه سلعة تباع وتشترى؟
عند تلك النقطة تحديداً، لا يعود النقاش حول قطعة قماش أو موضة عابرة بل يصبح نقاشاً حول مصير الإنسان في عصر لم يعد يكتفي ببيع الأشياء بل أصبح يبيع الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه.



