سياسة

عاجل بصفة رسمية : منع المعزولين والمحكوم عليهم قضائياً من الترشح لانتخابات مجلس النواب يوم 23 شتنبر 2026

ابراهيم ادريسي

 

 

دخل المغرب مرحلة جديدة في تنظيم الحياة السياسية والانتخابية بعد صدور القانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، والمنشور بالجريدة الرسمية في يناير 2026، في خطوة تشريعية تعكس توجهاً واضحاً نحو تشديد معايير الولوج إلى المؤسسات التمثيلية وربط المسؤولية العمومية بشرط النزاهة القانونية والأخلاقية.
التعديلات الجديدة لم تأتِ بصيغة تقنية معزولة، بل حملت تحولات عميقة في فلسفة الأهلية الانتخابية، عبر توسيع دائرة الأشخاص الممنوعين من الترشح للانتخابات البرلمانية، خاصة أولئك المرتبطين بأحكام قضائية تمس التدبير العمومي أو النزاهة الانتخابية أو الثقة العامة في المؤسسات.

العزل الانتدابي يتحول إلى مانع انتخابي صريح

أبرز المستجدات التي حملها النص الجديد تتمثل في التنصيص الواضح على منع الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام نهائية بالعزل من مسؤولية انتدابية من الترشح لعضوية مجلس النواب.
ويشمل هذا المقتضى المنتخبين الذين سبق أن أُقيلوا أو عُزلوا بقرارات قضائية نهائية بسبب اختلالات في التدبير أو مخالفات قانونية مرتبطة بممارسة المسؤولية الانتخابية، سواء تعلق الأمر برؤساء جماعات ترابية أو أعضاء مجالس منتخبة أو مسؤولين انتدابيين آخرين.

ويُعد هذا التعديل تحولاً نوعياً في المقاربة القانونية، إذ انتقل المشرّع من منطق العقوبة الإدارية المحدودة الأثر إلى منطق الأثر السياسي المستمر، بما يجعل العزل القضائي سبباً مباشراً لفقدان أهلية الترشح.

تشديد غير مسبوق على أصحاب السوابق القضائية

القانون الجديد شدد كذلك القيود المفروضة على الأشخاص المتابعين أو المدانين في قضايا جنائية، حيث أصبحت الأحكام الحبسية النافذة أو حتى الموقوفة التنفيذ سبباً مانعاً للترشح، إضافة إلى الأشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام استئنافية بالإدانة، ولو كانت ما تزال محل طعن بالنقض.

هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في منع عودة شخصيات مثيرة للجدل القضائي إلى المؤسسات التشريعية، خصوصاً في الملفات المرتبطة بالفساد المالي أو استغلال النفوذ أو الجرائم الانتخابية.

كما وسّع النص من حالات عدم الأهلية لتشمل الأشخاص المدانين ابتدائياً أو استئنافياً في قضايا تمس الأهلية الانتخابية أو نزاهة العمليات الديمقراطية، في إطار سياسة تشريعية تهدف إلى حماية صورة البرلمان وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة.

المحكمة الدستورية تحسم الجدل

المقتضيات الجديدة لم تمر دون رقابة دستورية، إذ أكدت المحكمة الدستورية، في قرارها الصادر أواخر ديسمبر 2025، مطابقة هذه التعديلات للدستور، معتبرة أن اشتراط النزاهة والأهلية القانونية للترشح ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها دستورياً.

ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة لأنه يمنح الغطاء الدستوري لتشديد شروط الترشح، ويؤسس لاجتهاد قانوني يعتبر أن حماية المؤسسات المنتخبة تبرر فرض قيود قانونية على بعض الفئات المرتبطة بأحكام قضائية.

رقمنة مسطرة الترشح وتعزيز المراقبة

ومن بين المستجدات التقنية التي جاء بها القانون الجديد اعتماد التصريح الإلكتروني بالترشح، في إطار رقمنة المساطر الانتخابية وتحديث آليات التتبع الإداري والقضائي للمرشحين.

ويرى متابعون أن الرقمنة ستسمح بتقليص هامش التلاعب في الوثائق والتصريحات، كما ستسهّل عملية الربط بين المعطيات القضائية والإدارية الخاصة بالمترشحين، بما يعزز فعالية مراقبة شروط الأهلية.

بين تخليق السياسة وإثارة الجدل الحقوقي

ورغم الترحيب الواسع الذي لقيته هذه التعديلات داخل الأوساط المطالبة بمحاربة الفساد الانتخابي، فإن بعض الأصوات الحقوقية والقانونية أبدت تحفظات بشأن توسيع حالات المنع استناداً إلى أحكام غير نهائية، معتبرة أن ذلك قد يثير نقاشاً مرتبطاً بقرينة البراءة والحقوق السياسية المكفولة دستورياً.

في المقابل، يرى مؤيدو التعديلات أن الظرفية السياسية والمؤسساتية تفرض اعتماد مقاربة صارمة لحماية مصداقية المؤسسات المنتخبة ومنع توظيف الانتخابات كوسيلة للالتفاف على المساءلة القضائية.

مرحلة سياسية جديدة
في العمق، تعكس هذه التعديلات انتقال الدولة نحو نموذج انتخابي أكثر تشدداً في معايير النزاهة والشفافية، حيث لم يعد مجرد التوفر على الصفة القانونية كافياً لدخول البرلمان، بل أصبح السجل القضائي والأخلاقي جزءاً أساسياً من معايير الأهلية السياسية.

ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو هذه المقتضيات مرشحة لإعادة تشكيل الخريطة الانتخابية، عبر تقليص حضور عدد من الأسماء المثيرة للجدل ورفع منسوب التدقيق القانوني في ملفات المرشحين، في سياق يتجه نحو إعادة بناء الثقة في المؤسسات التمثيلية وتعزيز صورة البرلمان كمؤسسة للتشريع والرقابة لا كملاذ للملاحقين قضائياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى