سياسة

المشهد السياسي بين جمود القيادات وأزمة القيم الديمقراطية

ابراهيم ادريسي

يشهد المشهد السياسي المغربي في السنوات الأخيرة حالة من الجمود والتراجع، أثارت قلق المتابعين والمهتمين بالشأن العام، في ظل ما يصفه العديد من المراقبين بـ”أزمة القيم داخل المؤسسات الحزبية”، حيث تحوّلت بعض الأحزاب إلى كيانات مغلقة تدور في فلك نفس القيادات، دون تجديد حقيقي للنخب أو انفتاح على طاقات جديدة.

ورغم كثرة الخطابات التي ترفع شعارات الديمقراطية الداخلية والتداول على المسؤولية، إلا أن الممارسة الحزبية على أرض الواقع تكشف عن مفارقة واضحة بين القول والفعل. فالأمناء العامون لعدد من الأحزاب يواصلون قيادة تنظيماتهم لسنوات طويلة، في مشهد يراه البعض أقرب إلى “الملكية الحزبية”، حيث تُدار الهياكل بعقلية الزعامة الشخصية لا بروح المؤسسات.

هذا الواقع ساهم في اتساع الهوة بين الأحزاب والمواطنين، وأضعف ثقة الشباب في العمل السياسي، بعدما فقدت تلك التنظيمات قدرتها على تقديم نموذج مقنع للقيادة الديمقراطية أو تجديد الخطاب السياسي بما يواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها المغرب.

ويرى محللون أن الأزمة القائمة ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة ثقافة سياسية قائمة على الولاء بدل الكفاءة، وعلى المصالح الضيقة بدل المصلحة الوطنية. فغياب التداول الحقيقي على المسؤولية، وإقصاء الطاقات الشابة والكفاءات الجديدة، جعل المشهد السياسي يفتقر إلى روح المبادرة والإبداع في معالجة القضايا الكبرى.

في المقابل، يدعو فاعلون مدنيون ومحللون سياسيون إلى ضرورة فتح المجال أمام جيل جديد من الشباب المؤمن بالتغيير والإصلاح، والقادر على إعادة الثقة في السياسة كأداة لخدمة المواطن لا لاستغلاله، مؤكدين أن مستقبل الديمقراطية المغربية مرهون بقدرتها على تجديد نخبها وتكريس قيم الشفافية والمسؤولية.

وقد أكّد الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من مناسبة على أهمية تمكين الشباب ودعم الكفاءات المغربية المؤهلة، وإشراكهم في تدبير الشأن العام من خلال توفير الدعم المادي والمعنوي وتيسير سبل الترشح والمشاركة السياسية. وهي رسالة ملكية نبيلة تعبّر عن رؤية واضحة لمستقبل يقوم على تجديد النخب وتخليق الحياة السياسية. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح هو: هل ستلتقط الأحزاب المغربية هذه الإشارة الملكية السامية؟ وهل ستملك الإرادة الحقيقية لتجديد ذاتها وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين المجتمع، على أسس من الكفاءة، والنزاهة، وروح المسؤولية الوطنية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى