سياسة

مادا لو تؤجل الإنتخابات ؟

 

في مشهد تتقاطع فيه التحولات الداخلية مع ديناميات إقليمية ودولية متسارعة، يظل موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، المقرّر دستوريًا، مؤطرًا بمقتضيات القانون الأساسي. لكن قراءات استشرافية ترى أن السؤال الحقيقي ليس حول إلغاء الاستحقاق، بل حول احتمال إعادة ترتيب الأولويات الزمنية في ظل متغيرات كبرى، دون أن يعني ذلك وجود أي معطى رسمي حول تأجيل أو تعديل المواعيد.

أولاً: أولوية دستورية بأفق قريب جداً

المغرب مقبل على تعديلات دستورية مرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي بصحرائه، يُرجح أن يُصادق عليها استفتاء شعبي قريب. والأعراف الدستورية والقانونية تقضي بأسبقية التعديل الدستوري على أي استحقاق انتخابي.
فلا يستحب حسب فقهاء القانون إجراء انتخابات تشريعية في إطار دستوري قديم يُنتظر تغييره. وبالتالي، فإن أي تأجيل محتمل للموعد المقرر سيكون ناتجاً عن ضرورة إجراء الانتخابات في ظل الدستور الجديد، لا خارج سياقه.

ثانياً: أزمة النخب وإعادة تشكيل المشهد الحزبي

داخليًا، تعيش الساحة الحزبية دينامية إعادة ترتيب للتوازنات، على مستوى القيادات والنخب القادرة على قيادة المرحلة. تشير تحليلات سياسية إلى ندرة بروز شخصيات ذات ثقل كاريزمي وشرعية قيادية متماسكة بمستوى “رجالات دولة” قادرين على التنافس على رئاسة الحكومة، ما يعكس أزمة ضمنية في تجديد العرض السياسي القيادي داخل التنظيمات الحزبية.

ثالثاً: البيئة الجيوسياسية الضاغطة

تشكّل منطقة الساحل الإفريقي بؤرة عدم استقرار كبرى، تنضاف إليها استمرار الحرب في أوكرانيا وتداعياتها الاقتصادية، والتوترات في منطقة الخليج. هذا السياق الإقليمي والدولي المعقّد يُنتج ضغوطًا غير مباشرة على أولويات الدول، حيث يصبح الاستقرار السياسي أولوية مطلقة، ما قد يفتح مجالًا لإعادة ترتيب التقويم الانتخابي ضمن سلم أولويات أكثر إلحاحًا.

رابعاً: تمكين المشاركة وتوسيع التمثيلية

ضمن أوراش التطوير الانتخابي و أجرأتها، تبرز محاور جوهريّة:

· مغاربة العالم: تفعيل المقتضيات الدستورية عبر تحسين شروط المشاركة والتمثيل الفعلي.
· الشباب: دعم انخراطهم بآليات تنظيمية ومالية ولوجستية، سواء عبر الأحزاب أو الترشيحات المستقلة، لتوسيع قاعدة المشاركة وتجديد النخب.

 

خامسا: تزامن الاستحقاقات.. رهان مشاركة واقتصاد وتوافق

طرح سابقاً إجراء الانتخابات التشريعية في نفس اليوم مع الانتخابات الجماعية والجهوية. وهذا التزامن يحقق ثلاث مكاسب استراتيجية:

· مشاركة واسعة: تجميع ثلاثة استحقاقات في يوم واحد يرفع منسوب إقبال الناخبين، بدل تشتيتهم على مواعيد متفرقة.
· ترشيد المالية العامة: تقليص خسائر الميزانية المرتبطة بتنظيم انتخابات متعددة، عبر توفير نفقات اللوجستيك والتأطير والتجهيز.
· توافق حزبي قبلي: نزع عقبة الموافقات الحزبية المسبقة، حيث يسهل قبول الأحزاب والقوى السياسية لإطار انتخابي متكامل بدل تفاوض منفصل لكل استحقاق.

هذا السيناريو، إن تم اعتماده، سيشكل نقلة تنظيمية تعزز الفعالية الانتخابية وتختصر الزمن السياسي دون المساس بجودة التمثيل.

 

سادسا: المسار القانوني للفاعلين السياسيين

في النقاش العام، يُلاحَظ أن بعض الفاعلين قد يكونون طرفًا في مساطر قضائية جارية. ويظل من الضروري التأكيد على استقلالية القضاء، وقرينة البراءة كأصل، وتحديد الأهلية الانتخابية حصرًا بمقتضى أحكام قضائية نهائية والنصوص القانونية الجاري بها العمل.

 

الخلاصة:

يبقى الحديث عن تأجيل الانتخابات التشريعية في المغرب ضمن دائرة التحليل الاستشرافي للسيناريوهات المحتملة، لا كمعطى حاسم أو قرار قائم. لكن تداخل الأولوية الدستورية المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي، وأزمة تجديد النخب، والضغوط الجيوسياسية، يجعل من هذه المرحلة لحظة تتطلب توازنًا دقيقًا بين استمرارية المسار الدستوري ومتطلبات التطوير السياسي والمؤسساتي. والمؤكد أن الانتخابات المقبلة، متى ما أُجريت، ستكون في إطار دستوري جديد يعكس تطلعات المغرب الترابية والسياسية و تنزل الانتصارات الدبلوماسية الكبيرة للمملكة على ارض الواقع بفضل الرؤية المتبصرة و السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى