مجتمع

الخريطة الجامعية الجديدة في المغرب: نحو جامعة جهوية ذكية، مندمجة، ومُنصفة

ابراهيم ادريسي

 

 

يشهد قطاع التعليم العالي في المغرب دينامية إصلاحية نوعية تعكس إرادة واضحة في تحديث المنظومة الجامعية وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. وفي هذا الإطار، يندرج مشروع مراجعة الخريطة الجامعية العمومية الذي يشرف عليه وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي، كأحد أبرز الأوراش الاستراتيجية الهادفة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجامعة ومجالها الترابي.

ولا يقوم هذا الورش على منطق ارتجالي أو ظرفي، بل يستند إلى مرجعية مؤسساتية راسخة، باعتباره جزءاً من المخطط المديري متعدد السنوات للتعليم العالي المنصوص عليه في القانون الإطار 51.17، بما يضمن له الاستمرارية والانسجام مع السياسات العمومية الكبرى. كما يعكس هذا التوجه إرادة جماعية نحو ترسيخ العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم العالي، وتقريب الجامعة من محيطها الاجتماعي والاقتصادي.

نحو نموذج جامعي أكثر قرباً وفعالية

لم يعد النموذج القائم على الجامعات الكبرى ذات الامتداد الجغرافي الواسع قادراً وحده على استيعاب التوسع الديمغرافي والطلب المتزايد على التعليم العالي، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في سوق الشغل والمعرفة.

ومن هذا المنطلق، يأتي التوجه نحو رفع عدد الجامعات العمومية من 12 إلى 27 جامعة باعتباره تطويراً بنيوياً في هندسة المنظومة، يهدف إلى تخفيف الضغط عن المؤسسات الكبرى، وتحسين شروط التكوين، وتعزيز جودة الخدمات الجامعية.

فحين تتقارب المؤسسة الجامعية مع محيطها الترابي، تصبح أكثر قدرة على فهم حاجياته، وأكثر مرونة في بناء عروض تكوينية ملائمة، وأكثر فعالية في الاندماج داخل المنظومة الاقتصادية الجهوية. وهو ما ينسجم مع منطق الحكامة الرشيقة التي تجعل القرار الأكاديمي والإداري أقرب إلى الواقع وأكثر استجابة للتحولات.

العدالة المجالية كخيار استراتيجي

يأتي هذا الإصلاح أيضاً استجابة لحاجة وطنية ملحة تتمثل في تعزيز الإنصاف المجالي، من خلال تمكين الطلبة في مختلف الجهات من الولوج إلى تعليم عالٍ ذي جودة دون عناء التنقل لمسافات طويلة أو تحمل كلفة اجتماعية واقتصادية مرتفعة.

وفي هذا السياق، يكتسي إشراك مختلف المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، أهمية خاصة، لما يعكسه من تثمين للاتجاه العام لهذا الإصلاح، ودعمه لمسار إعادة التوازن بين المركز والجهات.

 

جامعة منفتحة على محيطها الاقتصادي

لا يقتصر هذا التحول على البنية التنظيمية فقط، بل يمتد إلى إعادة تعريف وظيفة الجامعة نفسها، بحيث تصبح فاعلاً تنموياً مندمجاً في محيطه، وليس مجرد مؤسسة للتلقين الأكاديمي.

ويقوم التصور الجديد على ربط التكوين الجامعي بحاجيات سوق الشغل الجهوي، وتوجيه البحث العلمي نحو قضايا التنمية المحلية، بما يعزز قابلية تشغيل الخريجين، ويرفع من نجاعة الاستثمار في الرأسمال البشري.

كما أن إحداث مؤسسات جامعية متخصصة في مجالات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي، الطاقات المتجددة، اللوجستيك، والصناعات الرقمية، يعكس رغبة واضحة في جعل الجامعة المغربية أكثر مواكبة للتحولات العالمية وأكثر اندماجاً في الاقتصاد المعرفي.

تكامل بدل التشتت: نحو منظومة جامعية مترابطة

يرتكز المشروع كذلك على مبدأ أساسي يتمثل في التكامل بين الجامعات بدل التشتت أو التكرار. فبدلاً من عمل كل مؤسسة بشكل منفصل، يتم تصور شبكة جامعية وطنية متكاملة، تتقاسم فيها المؤسسات التخصصات والموارد ومراكز البحث، بما يضمن رفع الجودة وتجنب الازدواجية.

وفي المقابل، يتم تشجيع التنافس الإيجابي بين الجامعات الجهوية، بما يحفزها على الابتكار وتحسين الأداء وتطوير العرض البيداغوجي، في إطار دينامية صحية تخدم الطالب والبحث العلمي على حد سواء.

تثمين الجهود الإصلاحية ورؤية التطوير

إن هذا الورش يعكس بوضوح إرادة قوية في تطوير الجامعة المغربية والارتقاء بدورها، عبر رؤية تقوم على تقريب المؤسسة الجامعية من المواطن، وتحديث أدواتها البيداغوجية والإدارية، وتحسين خدماتها الاجتماعية.

كما يعكس انخراط الوزارة الوصية، بقيادة الوزير عز الدين ميداوي، في مسار إصلاحي طموح يسعى إلى إعادة تموقع الجامعة المغربية ضمن محيطها الوطني والدولي، وجعلها أكثر قدرة على إنتاج المعرفة، واحتضان الابتكار، وخدمة التنمية.

خاتمة: جامعة مغربية جديدة برؤية متجددة

إن الخريطة الجامعية الجديدة ليست مجرد إعادة توزيع جغرافي للمؤسسات، بل هي تصور متكامل لجامعة مغربية حديثة، متعددة المراكز، متصلة بجهاتها، ومنفتحة على مستقبلها.

جامعة تُعيد الاعتبار لمبدأ الإنصاف، وتُرسّخ جودة التكوين، وتُحوّل المعرفة إلى رافعة فعلية للتنمية. إنها خطوة تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها التعليم العالي في قلب المشروع التنموي الوطني، وفي خدمة الإنسان والمجال معاً، برؤية متوازنة وطموحة تستشرف المستقبل بثقة ووضوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى