وجدة… تكامل الجهود لصون كرامة الصائمين في شهر الرحمة

ابراهيم ادريسي
مع إشراقة شهر رمضان المبارك، تتجدد في مدينة وجدة معاني التضامن والتكافل، حيث اعتاد المجتمع المدني تنظيم موائد إفطار لفائدة الفئات الهشة، في صورة إنسانية تعكس عمق القيم الإسلامية وروح الأخوة. غير أن النقاش الذي يرافق هذا الموسم يفرض التأكيد، منذ البدء، على حقيقة أساسية: الدولة المغربية تبذل مجهودًا مؤسساتيًا واضحًا ومتواصلاً في محاربة الهشاشة والفقر، ضمن رؤية شمولية تجعل من الكرامة الإنسانية أولوية ثابتة.
لقد شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ إطلاقها رافعة استراتيجية لدعم الفئات المعوزة وتمويل مشاريع الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، فيما تضطلع مؤسسة محمد الخامس للتضامن بأدوار ميدانية بارزة في مواكبة الأسر المحتاجة، والأشخاص في وضعية هشاشة، والمهاجرين، وذوي الاحتياجات الخاصة. وهي جهود مؤسساتية قائمة، لا يجوز إنكارها أو التقليل من أثرها، بل ينبغي تعزيزها وتثمينها.

منطق التخصص… مدخل للنجاعة والكرامة و استغلال لمقرات الجمعيات الكبرى
تعرف وجدة حضور جمعيات نشيطة في مجالات متعددة: إدماج المهاجرين، رعاية المتشردين، العناية بالأشخاص في وضعية إعاقة، ودعم الأسر الهشة. ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في مقاربة تنظيمية تقوم على التخصص والتأطير:
الجمعيات العاملة في إدماج المهاجرين تتولى إفطارهم داخل مقراتها، بما يراعي خصوصياتهم الاجتماعية والثقافية.
الهيئات المهتمة بالمتشردين تنظم إفطارات مؤطرة تحفظ الكرامة وتمنح فرصة للعبادة في أجواء آمنة وأخوية.
الجمعيات المتخصصة في رعاية الأشخاص في وضعية إعاقة توفر إفطارات دامجة تستجيب لاحتياجاتهم الخاصة.
ويمكن، في هذا الإطار، التفكير كذلك في مبادرة إنسانية موازية تتمثل في تجميع المتشردين طيلة هذا الشهر الفضيل داخل مقرات الجمعيات المتخصصة في العناية بهم، بما يضمن لهم فضاءً آمنًا ومنظمًا للإفطار والمبيت والقيام، بعيدًا عن قسوة الشارع ووحشة العراء. وهي جمعيات تمول أنشطتها، في جزء منها، من أموال الدعم العمومي سواء في إطار برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو عبر شراكات مع مؤسسة محمد الخامس للتضامن، ما يجعل هذه المبادرة امتدادًا طبيعيًا لاختصاصها الاجتماعي وتجسيدًا عمليًا لفلسفة الإدماج والحماية التي تقوم عليها السياسات العمومية في مجال محاربة الهشاشة.
بهذا التصور، تتحول موائد الإفطار إلى امتداد منظم للبرامج الاجتماعية القائمة، في انسجام مع أهداف الدعم العمومي، وتحت سقف الشفافية والمسؤولية.
رمضان… موسم عبادة وتضامن تحت سقف القانون
إن شهر رمضان ليس ساحة مزايدات، بل موسم لتجديد العهد مع قيم الرحمة والتكافل. وتمكين الفقير وابن السبيل والمهاجر والمتشرد من صيام كريم وإفطار لائق هو مسؤولية دينية وأخلاقية، لكنه كذلك تعبير عن وعي جماعي بأن العمل الإنساني الأسمى هو ذاك الذي يجمع بين الإخلاص والانضباط، وبين حرارة الإيمان وحكمة التدبير.
وفي الختام، تبقى هذه المقترحات أفكارًا تنظيمية قابلة للنقاش والتطوير، تستلزم موافقة السلطات المحلية المختصة، باعتبارها الجهة المخول لها قانونًا السهر على احترام الضوابط الجاري بها العمل، وضمان ألا يُستغل أي نشاط اجتماعي أو خيري في إطار سياسي أو دعوي أو مذهبي مشبوه. فالسلطة المحلية، بما راكمته من تجربة في تدبير الشأن العام، هي الأقدر على تحقيق التوازن بين حماية النظام العام وصون الطابع النبيل للعمل الإحساني، حتى يظل رمضان في وجدة عنوانًا مضيئًا لتكامل الدولة والمجتمع… وموسمًا خالصًا للعبادة والرحمة والتضامن.





