جهات

من الميدان إلى الثقة: رجال السلطة بوجدة نموذج للإدارة المواطِنة

ابراهيم ادريسي

 

 

في ظل التحولات العميقة التي يشهدها تدبير الشأن المحلي بالمغرب، لم يعد رجل السلطة مجرد منفذ للتعليمات الإدارية التقليدية، بل أضحى فاعلاً محورياً في تحقيق الاستقرار، وضمان سيادة القانون، وحماية النظام العام، وبناء جسور الثقة بين الإدارة والمواطن.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة رجال السلطة بمدينة وجدة كنموذج عملي للتنزيل الميداني للسلطة المواطِنة، من خلال تدخلات ميدانية نشيطة، يقودها القواد وأعوان السلطة تحت إشراف رجل القرب بامتياز، السيد باشا مدينة وجدة، وبتوجيه من السيد محمد عطفاوي والي جهة الشرق، الذي يثمن الجميع مجهوداته في تعزيز كفاءة الإدارة الترابية بالجهة. هذه المقاربة أعادت الاعتبار لهيبة الإدارة، ورسخت مناخاً من الانضباط، ووضعت حداً لعدد من مظاهر الفوضى التي ظلت تؤرق الساكنة لسنوات.

الاستباق بدل رد الفعل: تنقية وتهيئة الأودية

من أبرز مظاهر هذا التحول اعتماد السلطة المحلية بوجدة منهجية التدخل الاستباقي بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأضرار. ويتجلى ذلك بوضوح في العمليات الميدانية التي همّت تنقية وتهيئة الأودية بالمدينة، خصوصاً مجرى واد السمارة وواد الجلطي، اللذين يشكلان نقطاً سوداء خلال فترات التساقطات المطرية بسبب تراكم الرواسب والأوحال.
وشملت هذه العمليات إزالة العوائق والرواسب وكل ما يعيق الجريان الطبيعي للمياه، بما يضمن انسيابها بشكل سلس ويحد من مخاطر الفيضانات، في تجسيد عملي لفلسفة الوقاية التي تؤمن بها الإدارة الترابية الحديثة، وترجمة دقيقة لتوجيهات وزارة الداخلية لجعل الاستباق ركيزة أساسية في حماية المواطنين والمجال العمراني.

محاربة البناء العشوائي والمنازل الآيلة للسقوط

شهد النفوذ الترابي لمدينة وجدة دينامية غير مسبوقة في محاربة البناء العشوائي، الذي ظل لسنوات يشكل أحد أخطر مظاهر الاعتداء على المجال ومصدراً لاختلالات عمرانية واجتماعية عميقة.
وقد اعتمد رجال السلطة نهجاً حازماً يقوم على المراقبة اليومية والتدخل السريع والتنسيق مع المصالح المختصة، ما أسفر عن توقيف عدة أوراش غير قانونية وحجز معدات ومواد تستعمل في تشييد بنايات خارج الضوابط القانونية، في رسالة واضحة مفادها أن احترام القانون خط أحمر لا يقبل التهاون
.
كما باشرت السلطات المحلية إحصاء المنازل الآيلة للسقوط واتخاذ الإجراءات القانونية والتقنية اللازمة، بما في ذلك الهدم الوقائي للبنايات التي تشكل خطراً على حياة المواطنين، في خطوة انتقالية من التدخل بعد الكارثة إلى الوقاية وحماية الأرواح.

تحرير الملك العمومي واسترجاع الفضاء المشترك

في انسجام تام مع هذا التوجه، باشرت السلطات المحلية حملات منتظمة لتحرير الملك العمومي من مظاهر الاحتلال غير القانوني، التي كانت تعيق حركة السير وتشوه المشهد الحضري وتمس بحق المواطنين في استعمال فضاءاتهم المشتركة.
وقد تميزت هذه الحملات بالجمع بين الصرامة القانونية والبعد التحسيسي والتواصلي، في إطار مقاربة متوازنة لا تقوم على الزجر وحده، بل على التنظيم واحترام القانون، ما ساهم في تحسين جودة الفضاء العام وتعزيز الإحساس بالنظام والانضباط داخل الأحياء والشوارع الرئيسية.

الحكامة التشاركية: شراكة مع المجتمع المدني والمهني

ومن أبرز مميزات هذه التجربة، التواصل المستمر والانفتاح على الفاعلين الجمعويين والمهنيين ومكونات المجتمع المدني، من خلال لقاءات ميدانية وتنسيق حول القضايا المرتبطة بالبيئة والتخطيط العمراني ومحاربة الهشاشة وتأطير الساكنة.
ويأتي هذا التوجه في إطار تكريس مقاربة الحكامة التشاركية، التي تجعل من المجتمع المدني شريكاً في التشخيص والاقتراح وتتبع الإشكالات المحلية، ما يعزز فعالية التدخلات ويقوي الثقة بين الإدارة ومحيطها المجتمعي.

الإدارة المواطِنة: سلطة قريبة من نبض الشارع

إن ما يميز تجربة رجال السلطة بمدينة وجدة ليس فقط تعدد التدخلات، بل الروح التي تؤطرها. حيث يشتغل القواد وأعوان السلطة بمنطق الإدارة المواطِنة، القائمة على الإنصات والتواصل والتفاعل مع شكايات وانتظارات الساكنة، مع الحرص على تطبيق القانون بعدالة ودون انتقائية.
وقد أسهم هذا النهج في إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والإدارة، وترسيخ قناعة متنامية بأن رجل السلطة يمكن أن يكون حازماً ومنفتحاً في آن واحد، وأن هيبة الدولة تتقوى بالقرب من المواطن.

تنزيل فعلي لتوجيهات جلالة الملك وتقدير جهود والي الجهة

إن الدينامية التي تعرفها مدينة وجدة اليوم تعكس بشكل ملموس التنزيل الفعلي لتوجيهات صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الداعية إلى تحديث الإدارة الترابية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وجعل رجل السلطة في صلب معادلة التنمية والاستقرار.
وهذا ما يحرص على تنزيله السيد محمد عطفاوي والي جهة الشرق، الذي ساهم منذ وصوله في دعم نجاعة العمل الميداني للسلطة المحلية وتشجيعها على اعتماد نهج استباقي وقريب من الساكنة، مع الحفاظ على روح الشراكة والتواصل مع الفاعلين المحليين.

حين تستعيد السلطة معناها الحقيقي

إن ما تشهده مدينة وجدة اليوم يؤكد أن حضور رجال سلطة ملتزمين، واعين بمسؤولياتهم، ومتشبعين بروح الخدمة العمومية، وقادرين على العمل التشاركي مع مختلف الفاعلين، من شأنه إحداث فرق حقيقي في حياة المواطنين، وفرض مناخ من الاستقرار، وقطع الطريق أمام كل أشكال الفوضى.

وإلى جانب ذلك، تواصل السلطات المحلية العمل على إكمال أوراش تجديد وتعبيد الطرق وتطوير الإنارة العمومية في أقرب وقت، مع حرص السيد الوالي على إيجاد حلول لمعضلة النقل الحضري بالمدينة في أقرب الآجال.

وهي تجربة تستحق التنويه، ليس من باب المديح، بل باعتبارها نموذجاً عملياً لما ينبغي أن تكون عليه السلطة الترابية في مغرب اليوم: سلطة القانون، وسلطة القرب، وسلطة الاستباق، وسلطة الشراكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى