جهة الشرق تجني ثمار الرؤية الملكية المتبصّرة.. وما تحتاجه المرحلة من انخراط جماعي

ابراهيم ادريسي
لم يكن الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله يوم 18 مارس 2003 بمدينة وجدة حدثًا ظرفيًا مرتبطًا بسياق عابر، بل كان لحظة تأسيسية أعادت تعريف موقع جهة الشرق داخل المشروع الوطني.
وبعد أكثر من عقدين، تتأكد راهنية تلك الرؤية، ليس فقط في بعدها الرمزي، بل في تجلياتها الميدانية، وعلى رأسها مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يقترب من دخول مرحلة الاستغلال، كأحد أكبر التحولات الاستراتيجية في تاريخ الجهة.
خطاب 2003: نهاية الهامش وبداية الإدماج
جاء خطاب وجدة في سياق دقيق: حدود مغلقة، اقتصاد غير مهيكل يتراجع، وفوارق مجالية صارخة.
لكن المقاربة الملكية السامية لم تتوقف عند التشخيص، بل أعلنت بشكل واضح القطع مع فكرة العامة “المغرب غير النافع”، وأدرجت الشرق ضمن صلب المشروع التنموي الوطني.
لقد كان خطابًا استثنائيًا في شكله ومضمونه:
خطاب جهوي بامتياز، أُعلن من قلب الميدان، وأسس لمبادرة ملكية مباشرة قائمة على الالتزام المشترك، وآليات للتمويل والتتبع، وقاموس تنموي شامل يربط بين الاقتصاد والاجتماع والبنيات التحتية.
ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد الجهة الشرقية مجرد مجال جغرافي، بل أصبحت ورشًا مفتوحًا لإعادة البناء التنموي.
من الرؤية إلى الإنجاز: تراكم يؤسس للتحول
على امتداد السنوات، شهدت الجهة دينامية غير مسبوقة:
طرق سيارة، مطارات عالمية،تأهيل حضري، مناطق سياحية وصناعية، دعم للاستثمار، ومؤسسات للتنمية…
لكن التحول الحقيقي لم يكن فقط في حجم المشاريع، بل في تغيير وظيفة الجهة:
من منطقة حدودية متأثرة بالأزمات، إلى فضاء مرشح للاندماج في الاقتصاد المتوسطي.
وهنا تبرز أهمية الربط الاستراتيجي بين الشرق وباقي الأقطاب الوطنية، خاصة الدينامية التي سيمثلها قريبا ميناء الناضور المتوسط، كرافعة كبرى ستعيد تموقع المغرب في سلاسل التجارة العالمية.
ميناء الناظور غرب المتوسط: تتويج الرؤية وبداية مرحلة جديدة
اليوم، ومع اقتراب دخول ميناء الناظور غرب المتوسط حيز الخدمة، تدخل الجهة الشرقية مرحلة مختلفة تمامًا.
هذا المشروع ليس مجرد ميناء، بل منظومة صناعية-لوجستية متكاملة ستجعل من الشرق:
منصة للتبادل التجاري الدولي
قطبًا صناعيًا موجَّهًا للتصدير
مجالًا جاذبًا للاستثمار الوطني والأجنبي
إنه الامتداد الطبيعي لروح خطاب 2003، لكن بأدوات القرن الواحد والعشرين:
الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، تطوير الاقتصاد الأزرق، واستثمار الموقع الجيو-استراتيجي للمملكة.
وفاء للرؤية الملكية… بوعي جديد للتنزيل
إن روح الخطاب الملكي السامي تظل اليوم أكثر راهنية، لأنها قامت على أسس واضحة: العدالة المجالية، التكامل الاقتصادي الوطني، والانفتاح الإقليمي.
غير أن المرحلة الحالية تفرض على المسؤولين تجسيد الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق الأثر.
فالتحدي لم يعد في بناء الطرق،المطارات والموانئ فقط، بل في:
خلق نسيج اقتصادي قوي حول هذه المشاريع
تمكين الشباب من فرص الشغل والإنتاج
ضمان حكامة فعالة تربط المسؤولية بالمحاسبة
تحويل الجهة إلى قطب فعلي، لا مجرد امتداد جغرافي
رسائل المرحلة: مسؤولية جماعية
إلى الدولة:
تسريع التنزيل، وضمان الالتقائية بين السياسات العمومية، ومواكبة المشاريع الكبرى بمنظومات اقتصادية واجتماعية متكاملة.
إلى المنتخبين:
الانتقال من التدبير الإداري إلى القيادة التنموية، وجعل الجهة فضاءً لجذب الاستثمار لا لتدبير الانتظارات.
إلى القطاع الخاص:
الشرق اليوم فرصة استراتيجية، وليس مجالًا هامشيًا، والاستثمار فيه رهان رابح لمن يمتلك الجرأة والرؤية.
إلى المجتمع المدني:
تعزيز التأطير والمواكبة، والمساهمة في خلق دينامية مجتمعية داعمة للتحول.
الشرق في قلب مغرب القوة
بين الخطاب الملكي السامي بمدينة وجدة سنة 2003 وميناء الناظور غرب المتوسط اليوم، تتضح معالم مسار متكامل:
رؤية ملكية بعيدة المدى، تنزيل متدرج، وتحول استراتيجي في طور الاكتمال.
فجهة الشرق لم تعد مجالًا للانتظار، بل أصبحت رافعة من روافع المستقبل.
ومع دخول المشاريع الكبرى حيز التشغيل، لم يعد السؤال: متى ستنطلق التنمية؟
بل أصبح: كيف نجعل منها تنمية مستدامة، عادلة، وقادرة على خلق الثروة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي…
وذلك هو الامتحان الفعلي لروح الخطاب الملكي السامي بوجدة في زمن التحولات الكبرى.



