سعيد بوطبسيل يكتب: مغربة المؤسسات المالية بالمغرب: بين طموح السيادة وتحديات الاندماج الدولي

يشهد القطاع المالي المغربي تحولاً تدريجياً يعيد تشكيل بنية الملكية ومراكز القرار، مع تراجع الحضور المباشر للمجموعات الفرنسية وصعود الرساميل الوطنية في قيادة المؤسسات البنكية وشركات التأمين ومؤسسات التمويل غير البنكي ومؤسسات تدبير الادخار والاستثمار طويل الأجل. يأتي هذا في سياق أوسع يرتبط بإعادة تموقع الفاعلين الماليين داخل الأسواق الصاعدة وفق اعتبارات الربحية وكلفة الامتثال وتغير أولويات الاستثمار. هذا التحول يمكن قراءته كإعادة توزيع للأدوار داخل النظام المالي الدولي، حيث تعيد المؤسسات البنكية وشركات التأمين ومؤسسات التمويل وإدارة الأصول تنظيم مواقعها داخل فضاء مالي أكثر ترابطاً وتنوعاً.

وفي هذا السياق، يتقدم الفاعل المغربي *”لتعويض هذا التراجع بشكل ممنهج” عبر عمليات استحواذ وإعادة هيكلة مبرمة بناء على اتفاقات استراتيجية وتنسيق دقيق يضمن استمرارية الخدمات. تمتد هذه العمليات إلى كافة مفاصل القطاع، وهو ما يمنح الرأسمال الوطني دورا أوسع في توجيه التمويل وتدبير الادخار وتمويل الاستثمار. ومع مواكبة ذلك بإطار تنظيمي داخلي قائم على سن نصوص قانونية وتنظيمية تعزز الشفافية، يبرز الدور المركزي لهندسة رقابية وطنية متكاملة؛ إذ لا يقتصر الأمر على “بنك المغرب”* فحسب، بل يمتد ليشمل *”الهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC)” في ضبط سوق الرساميل، و*”هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS)” في تأمين قطاع الاحتياط.
وهذا التوجه تكرسه التصريحات الرسمية لوزيرة الاقتصاد والمالية، السيدة نادية فتاح العلوي، التي تؤكد باستمرار على أن النظام المالي المغربي أضحى يتمتع بصلابة مؤسساتية وقدرة على تدبير التحولات الرأسمالية الكبرى بفضل تضافر جهود هذه الهيئات الضبطية، مما يضمن وضوح قواعد الحكامة وترسيخ الثقة دولياً.
غير أن هذا التحول يطرح سؤال السيادة المالية في معناها المركب؛ ذلك أن نقل الملكية، حتى وإن تم بتنسيق تام، لا يعني الانفصال عن القواعد الدولية، بل هو انتقال نحو “سيادة التدبير” لالتزامات عالمية. فالمغربة هنا هي قدرة الفاعل الوطني على إدارة الامتثال للمعايير الاحترازية الدولية مثل (مقررات بازل III وIV) ومنظومات الدفع العالمية (Swift).
وفي هذا الصدد، يشدد والي بنك المغرب، السيد عبد اللطيف الجواهري، على أن مغادرة مجموعات أجنبية للسوق لا يجب أن تفهم كقطيعة، بل كإعادة صياغة استراتيجية، مؤكداً أن معيار “السيادة” الحقيقي لدى البنك المركزي يكمن في مدى احترام الفاعلين الجدد للمعايير الدولية الصارمة. لذا، فإن تعزيز السيادة لا يكفي وحده ما لم يكن مرفوقا بقدرة على تعبئة الرساميل وإدارة المخاطر وتطوير أدوات التمويل وتعزيز الارتباط الفعلي بالأسواق المالية الدولية.
ويرتبط جزء مهم من هذا التحول باستمرارية القنوات المالية المفتوحة التي يعتمد عليها النظام المالي المغربي في علاقاته الخارجية. فخروج أو تراجع مساهمة مجموعات أجنبية كبرى لا يعني انقطاع الارتباط بالنظام المالي الدولي، حيث تظل آليات البنوك المراسلة وتمويل التجارة وإعادة التأمين وإصدار السندات وإدارة الأصول قائمة، وتعمل وفق منطق الثقة والتصنيف المالي وقوة الميزانيات وجودة الحكامة تحت إشراف الهيئات القطاعية المختصة.
التوسع الإفريقي ومغربة المنظومة المالية خارج الحدود الوطنية
وتكتسي دينامية التوسع الإفريقي بعدا محوريا داخل هذا التحول، حيث أصبح الحضور ممتدا إلى عدد من الدول الإفريقية بما يعزز موقع المغرب كفاعل مالي إقليمي. ومع ذلك، فإن هذا التوسع يضع المؤسسات الوطنية أمام تحديات بنيوية ترتبط بـمخاطر التركيز الائتماني في بيئات جيوسياسية متغيرة وتقلبات العملات المحلية، فضلاً عن تحدي التمويل الرقمي (Fintech)، الذي يفرض قواعد منافسة جديدة. وهو تحد سبق وأن أشار إليه والي بنك المغرب، بضرورة توخي “اليقظة الاحترازية” في التوسع القاري لضمان عدم تأثر الاستقرار المالي المحلي بتقلبات الأسواق الإقليمية، مما يفرض السيطرة على التدفقات الرقمية العابرة للحدود بفعالية.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم هذا التوسع في علاقته بإعادة تشكيل تدريجية لموازين الحضور الاقتصادي داخل إفريقيا، حيث يتزامن صعود الفاعلين المغاربة مع تراجع نسبي لأشكال من الحضور الفرنسي التقليدي، مقابل اتساع حضور فاعلين إقليميين جدد. كما يتفاعل هذا المسار مع امتداد بنية مالية عالمية تتسم باستمرار تأثير المنظومة الأنجلوساكسونية، وهو ما يفرض على الفاعل المغربي التموقع داخل منظومة متعددة المرجعيات دون فقدان قدرته على بناء أقطاب مالية وطنية.
مقارنات دولية في إعادة هيكلة القطاع المالي ومسارات الاندماج
وتستند قراءة هذا المسار أيضا إلى تجارب دول صاعدة؛ حيث تُظهر تجربة *البرازيل أن بناء مؤسسات وطنية قوية شمل كافة قطاعات الملاءة المالية مع الحفاظ على انفتاح واسع على الأسواق العالمية. وفي ماليزيا، تمت إعادة هيكلة عميقة عبر دمج المؤسسات البنكية والتأمينية لتكوين أقطاب مندمجة قادرة على امتصاص الصدمات. أما في تركيا، فقد أظهرت التجربة أن توسع المحليين يحتاج إلى استقرار نقدي واضح لأن تقلبات العملة تؤثر مباشرة على كلفة التمويل. وفي جنوب إفريقيا، برز نموذج يعتمد على مؤسسات مطورة تقنياً، يؤكد أن قوة النظام المالي لا تقاس فقط بهوية المالكين، بل بدرجة التشابك داخل النظام العالمي.
وتقود هذه التجارب إلى خلاصة مفادها أن جوهر التحول لا يرتبط فقط بتغير الملكية، بل بقدرة المنظومة المالية على الاندماج في النظام العالمي مع تطوير بنية داخلية متماسكة تشمل البنوك والتأمينات ومؤسسات تدبير الادخار، في إطار توازن بين التوسع الوطني والانفتاح الخارجي.
وبذلك يتحدد الرهان في الحالة المغربية في بناء منظومة مالية مندمجة تقوم على تطوير كافة الفاعلين الماليين، مع الحفاظ على القنوات الدولية والتوسع الإفريقي، في إطار تنظيمي محكم يضمن استقرار النظام المالي وتدفق الرساميل وجودة التوازنات النقدية والمالية.



