مصطفى صغيري يكتب….الوطن فوق الحسابات الانتخابية

في السياسة، تكشف لحظات التوتر أكثر مما تكشفه الخطب المعدة سلفا، فهي تضع الأحزاب والقيادات أمام امتحان بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: أين تنتهي مصلحة الحزب، وأين تبدأ مصلحة الوطن؟
وقد بدا هذا السؤال حاضرا بقوة في الموقف الذي عبّر عنه الأمين العام للحركة الشعبية، محمد أوزين، وهو يؤكد، في سياق إدانة المساس بالعلم الوطني المغربي، أن الوطن يسبق الانتخابات، وأن المقدسات الوطنية لا تقبل المزايدة ولا ينبغي تحويلها إلى مادة للاستثمار الانتخابي. قد تبدو العبارة بديهية، لكنها ليست كذلك في زمن الانتخابات.
فكلما اقترب موعد الاقتراع، ارتفعت حرارة الخطاب، وأصبح إغراء تحويل كل حدث إلى رصيد انتخابي أكبر، وهنا تحديدا يظهر معدن الأحزاب، كما يظهر معنى القيادة. لأن المسؤولية السياسية لا تقاس فقط بما يستطيع الفاعل السياسي أن يستثمر فيه، بل أحيانا بما يمتلك من حكمة ليمتنع عن استثماره عندما يتعلق الأمر بما هو أكبر من الحزب والانتخابات معا.
والوطن أكبر.
إن المساس بالعلم الوطني ليس حدثا عابرا بالنسبة للمغاربة، لأن العلم ليس قطعة قماش ولا مجرد رمز بروتوكولي للدولة، إنه اختزال لذاكرة وطنية وسيادة وانتماء، ووراءه تاريخ من التضحيات التي صنعت استقلال المغرب ووحدته واستمرارية دولته.
لذلك كان طبيعيا أن يكون موقف الحركة الشعبية واضحا في إدانة الواقعة، غير أن الأهم، في تقديري، هو ألا تتحول الإدانة نفسها إلى مناسبة للمزايدة في الوطنية أو إلى وقود انتخابي. وقد جمع موقف الحزب بالفعل بين إدانة المساس بالرمز الوطني وبين الدعوة إلى المسؤولية واستحضار عمق العلاقات والمصالح المشتركة بين المغرب وإسبانيا. وهذا التوازن ليس ترددا في الدفاع عن الوطن؛ إنه دليل على فهم معنى الدولة.
فالدولة القوية لا تحتاج إلى المبالغة في إظهار قوتها، والوطنية الصادقة لا تحتاج إلى الصراخ كي تثبت نفسها، ويمكن الدفاع عن كرامة الوطن بحزم، وفي الوقت نفسه إدارة علاقاته الخارجية بعقلانية ومسؤولية. بل إن القدرة على الجمع بين صرامة الموقف وحكمة التدبير هي إحدى علامات النضج السياسي.
ومن هنا تكتسب عبارة “الوطن قبل الانتخابات” معناها الحقيقي. إنها ترسم خطا فاصلا بين مجالين ينبغي ألا يختلطا: مجال واسع للاختلاف السياسي، ومجال جامع للثوابت الوطنية.
في المجال الأول، لا سقف للمنافسة إلا القانون وأخلاق العمل السياسي، فمن حق الأحزاب أن تختلف حول حصيلة الحكومة، وأن تتواجه حول الاقتصاد والضرائب والاستثمار، وأن تتنافس حول التعليم والصحة والتشغيل والسكن، وأن تقدم للمغاربة رؤى متعارضة حول الأولويات والوسائل والاختيارات.
بل إن الديمقراطية تفقد معناها إذا تشابه الجميع.
أما في المجال الثاني، فهناك المغرب، هناك سيادة الدولة، ووحدتها الترابية، ومؤسساتها الدستورية، ورموزها الوطنية، ومصالحها العليا. وهنا ينبغي أن تتوقف الحسابات الصغيرة.
فالوطن ليس ملكاً للأغلبية، والوطنية ليست امتيازا للمعارضة، والمقدسات الوطنية ليست رصيدا انتخابيا لأي حزب.
وهذه المسألة تكتسب أهمية أكبر في اللحظة السياسية الراهنة، لأن المغرب يتجه إلى انتخابات ستشتد فيها المنافسة، وسترتفع خلالها نبرة الخطابات، وستسعى الأحزاب، وهذا مشروع، إلى إقناع المغاربة بأنها الأجدر بثقتهم.
لكن هناك فرقا كبيرا بين التنافس على خدمة الوطن والتنافس على امتلاك الوطن.
الأول هو جوهر الديمقراطية، والثاني بداية إفسادها.
ومن هنا أرى أن موقف الاستاذ محمد أوزين يستحق أن يُقرأ أبعد من المناسبة التي قيل فيها، فأن يضع قائد حزب سياسي الوطن فوق الانتخابات في الوقت الذي يستعد فيه حزبه لخوض معركة انتخابية حاسمة، فذلك يحمل رسالة إلى حزبه قبل أن تكون موجهة إلى خصومه: نريد أن نربح سياسيا، نعم، ولكن ليس على حساب المشترك الوطني. وهذه في تقديري إحدى الصفات التي ينبغي أن تستعيدها القيادة السياسية في المغرب.
فالقائد ليس فقط من يعرف كيف يشحذ حماس أنصاره، بل من يعرف أيضا متى يضع حدا لذلك الحماس، وليس فقط من يقود حزبه إلى المنافسة، بل من يذكره بأن الحزب، مهما كبر، يظل جزءا من وطن أكبر منه.
ولهذا لا أرى في هذا الموقف خروجا عن الدينامية السياسية التي يقودها أوزين داخل الحركة الشعبية، بل أراه منسجماً معها.
فالرجل الذي قال قبل أشهر إن انتخابات 2026 ليست مجرد “معركة مقاعد” وإنما “معركة ثقة”، والذي أكد لاحقا أن هاجس الحركة ليس المقاعد وحدها وإنما إعادة بناء الثقة في الأحزاب والمؤسسات، يضع اليوم عنصرا ثالثا في المعادلة: الثقة لا تُبنى فقط بما نقترحه للمواطن، بل أيضا بالطريقة التي نمارس بها السياسة.
وهنا تلتقي القيادة مع تاريخ الحركة الشعبية.
فالحركة ليست حزبا ولد عشية استحقاق انتخابي، إنها جزء من تاريخ الدولة الوطنية المغربية، وراكمت سبعين سنة من الحضور داخل المؤسسات والمجتمع، بما يجعل الدفاع عن الوطن ووحدته ومؤسساته بالنسبة إليها أعمق من أن يكون فقرة في برنامج انتخابي أو شعارا في تجمع جماهيري.
ولهذا فإن أحد التحديات الجميلة أمام الحركة الشعبية اليوم هو أن تجعل هذا الرصيد التاريخي أساسا لوطنية سياسية حديثة؛ وطنية قوية بلا تشنج، ثابتة بلا مزايدة، منفتحة بلا تفريط، وقادرة على الجمع بين الدفاع الصارم عن مصالح المملكة وبين استيعاب تعقيدات عالم تتشابك فيه المصالح والاقتصاد والتحالفات.
وهنا أيضا يأخذ مفهوم تمغربيت معناه الأعمق.
فتمغربيت ليست فقط اعتزازا بالهوية، ولا ينبغي اختزالها في خطاب وجداني، إنها أيضا طريقة في فهم الدولة والمجتمع : الاعتزاز بالوطن دون احتكار الوطنية، والتمسك بالثوابت دون تحويلها إلى أدوات لإقصاء المختلف، والدفاع عن مصالح المغرب مع إدراك أن قوته اليوم تُبنى بالسياسة والاقتصاد والدبلوماسية والمعرفة والثقة في المؤسسات.
إنها، باختصار، وطنية الثقة بالنفس، وهذا هو الخطاب الذي يحتاج إليه المغرب في الطريق إلى الانتخابات.
فنحن لا نحتاج إلى انتخابات أقل تنافسا، بل إلى انتخابات أكثر قوة في التنافس وأكثر وضوحا في الحدود التي لا ينبغي تجاوزهـا.
فلنتنافس بقوة حول القدرة الشرائية، ولنتواجه حول حصيلة الحكومة، ولنتجادل حول التشغيل والصحة والتعليم والسكن، ولنضع أمام المغاربة برامجنا وتعاقداتنا وأرقامنا ووعودنا، وليقل كل حزب لماذا يعتقد أنه الأجدر بتدبير المرحلة المقبلة.
هناك يجب أن تكون المعركة السياسية قوية، لأن تلك هي القضايا التي يجب أن يحكم فيها المواطن بين الأحزاب.
أما عندما يتعلق الأمر بالمغرب، فالمعادلة مختلفة. فلا أغلبية أكثر مغربية من المعارضة، ولا معارضة أكثر وطنية من الأغلبية، ولا حزب يملك صكا يمنحه الحق في توزيع شهادات الوطنية على الآخرين.
كلنا نختلف داخل المغرب، لا على المغرب.
وهذه الفكرة ليست دعوة إلى إضعاف المعارضة أو تلطيف المنافسة، على العكس، فالمعارضة القوية ضرورة للديمقراطية، والمحاسبة الانتخابية ضرورة لصحة المؤسسات، والتداول على المسؤولية جوهر في الممارسة الديمقراطية. ومحمد أوزين نفسه دعا في أكثر من محطة المواطنين إلى محاسبة المقصرين بواسطة صناديق الاقتراع.
لكن المعارضة الوطنية تعرف الفرق بين نقد الحكومة والإضرار بالدولة، كما أن الأغلبية المسؤولة تعرف الفرق بين الدفاع عن حصيلتها واحتكار الوطن.
وهذه الحدود الدقيقة هي التي تصنع ثقافة الدولة.
بعد أسابيع، سيذهب المغاربة إلى صناديق الاقتراع. ستربح أحزاب وستتراجع أخرى، وستتغير أوزان سياسية، وستنشأ أغلبية ومعارضة، وقد تتبدل تحالفات ومواقع وأسماء.
كل ذلك عابر، مهما كانت أهميته.
أما المغرب فباق.
والعلم الذي نجتمع تحته اليوم سيبقى هو نفسه في صباح اليوم الموالي للانتخابات، سواء جلس هذا الحزب في الأغلبية أو ذاك في المعارضة.
لذلك فإن عبارة “الوطن قبل الانتخابات” ليست مجرد موقف من واقعة مست رمزا وطنيا، إنها، إذا أحسنا فهمها، قاعدة تستحق أن تؤطر المنافسة السياسية كلها: نختلف بقوة، نتنافس بشرف، نحاسب بلا مجاملة، ونقدم للمغاربة بدائل حقيقية؛ لكننا نعرف جميعا أين تنتهي حدود الحزب وأين يبدأ الوطن.
فالسياسة مواقع تتغير، والانتخابات مواعيد تتكرر، والحكومات مراحل تنتهي.
أما الوطن فلا ولاية له، ولا أغلبية ولا معارضة.
الوطن يجمعنا جميعا، ولذلك نتنافس من أجله، ولا نتنافس عليه.
بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
باحث في الحكامة والاقتصاد الجديد والتنمية





