حكيمة الحيطي تكتب….هجرة الأدمغة المغربية.. حين تهرب الكفاءة من الوطن بحثا عن الاستحقاق

تشكل الكفاءات المغربية المتخرجة من الجامعات والمدارس العليا ثروة وطنية حقيقية، خصوصا في مجالات الهندسة والطب والبرمجة والعلوم والتكنولوجيا. غير أن جزءا مهما من هذه الكفاءات يختار سنويا مغادرة البلاد نحو أوروبا وأمريكا الشمالية، في ظاهرة باتت تطرح أسئلة جدية حول مستقبل الرأسمال البشري المغربي وكلفة استمرار نزيف الأدمغة.
ورغم أن البحث عن فرص مادية ومهنية أفضل يظل عاملا حاضرا في قرارات الهجرة، فإن اختزال الظاهرة في الجانب المالي وحده يبقى قراءة ناقصة. فالكثير من الشباب المؤهل يبحث قبل كل شيء عن بيئة مهنية تضمن له التقدير، وتكافئ الكفاءة، وتتيح له هامشا للإبداع والتطور وتحمل المسؤولية.
وتكشف شهادات متزايدة لشباب مغاربة من ذوي التكوين العالي أن مطلبهم الأساسي يتمثل في الاستحقاق؛ أي أن تكون الكفاءة والخبرة والاجتهاد هي المعايير الحقيقية للوصول إلى مواقع المسؤولية والارتقاء المهني، بعيدا عن منطق العلاقات الشخصية والمحسوبية والولاءات.
ومن هنا، فإن هجرة الأدمغة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد مشكلة اقتصادية، بل باعتبارها أيضا أزمة ثقة في قدرة المؤسسات والقطاع الخاص على توفير بيئة مهنية عادلة وعصرية تحتضن الكفاءات بدل دفعها إلى البحث عن الاعتراف خارج الوطن.
ومن غير المنطقي أن يواصل المغرب استقطاب الاستثمارات الأجنبية والترويج لجودة رأسماله البشري، بينما يشعر جزء من هذا الرأسمال نفسه بأنه غير مقدَّر داخل بلده. فاستبقاء الكفاءات يبدأ من إصلاح عميق في طرق التدبير، ومن الانتقال من ثقافة الولاء والتملق إلى ثقافة تقوم على الكفاءة والنتائج والاستحقاق.
كما أن دعم الابتكار وريادة الأعمال يجب أن يتحول إلى أولوية عملية، من خلال تطوير حاضنات الأعمال، وتوفير صناديق استثمار قادرة على تمويل المشاريع المبتكرة، وتشجيع الشباب على تأسيس شركات ناشئة في مجالات التكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، حتى لا يصبح السفر إلى باريس أو غيرها شرطا للحصول على التمويل والخبرة والفرصة.
وتتحمل الحكومة مسؤولية أساسية في هذا الورش، خصوصا عبر تبسيط المساطر وتحسين مناخ الأعمال. فالإدارة الحديثة ينبغي أن تكون شريكاً للمقاول والمبتكر، لا سلسلة من العراقيل التي تستنزف الوقت والطاقة. كما أن تشجيع الشركات الناشئة والمقاولات المبتكرة، وتوفير صفقات عمومية أكثر شفافية وانفتاحا أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، يمكن أن يمنح الشباب فرصا حقيقية لبناء مشاريعهم داخل المغرب.
وفي المقابل، فإن الدولة والقطاع الخاص مطالبان بإعادة صياغة العلاقة مع الشباب والكفاءات الوطنية على أساس عقد واضح: المغرب استثمر في تكوين أبنائه، وهو في حاجة إلى خبراتهم لبناء اقتصاد أكثر تنافسية ومواجهة تحديات كبرى، من الانتقال الطاقي إلى الأمن المائي والتحول الرقمي؛ وفي المقابل، فإن هذه الكفاءات تستحق بيئة عادلة، حديثة ومحفزة، تمنحها الاعتراف والفرصة والمسؤولية.
إن بناء المغرب كقطب تكنولوجي وصناعي إقليمي لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار فقدان جزء من الكفاءات التي يفترض أن تقود هذا التحول. لذلك، أصبح من الضروري التفكير في ميثاق جديد للشباب والكفاءات المغربية، يقوم على الاستحقاق والابتكار وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالكفاءة.
فنجاح أي دولة لا يقاس فقط بعدد الجامعات التي تبنيها أو الشركات التي تستقطبها، وإنما بقدرتها على إقناع أبنائها الأكثر كفاءة بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم، وأن أحلامهم لا تحتاج بالضرورة إلى جواز سفر كي تتحول إلى واقع.

