مصطفى صغيري يكتب…الحركة الشعبية واستحقاقات 2026: قوة التاريخ وجاهزية المستقبل

ليس الإعلان عن “التعاقد الحركي” حدثا انتخابيا عاديا في المسار الراهن للحركة الشعبية، إنه، في تقديري، لحظة سياسية تختصر تحولا أعمق عرفه الحزب خلال السنوات الأخيرة، وتكشف عن اختيار واضح لقيادته بأن تخوض الحركة الشعبية الاستحقاقات المقبلة لا بذاكرة تاريخية تستند إليها، ولا بمعارضة تنتقد من خلالها حصيلة الحكومة فحسب، وإنما بمشروع سياسي متكامل وبطموح واضح إلى تعزيز موقعها كقوة سياسية وطنية فاعلة في صناعة القرار وتوجيه السياسات العمومية.
وهذا هو المعنى السياسي الذي ينبغي أن يحظى بالانتباه.

فالحركة الشعبية التي تقدم اليوم تعاقدها للمغاربة ليست حزبا يبحث في الأسابيع الأخيرة السابقة للانتخابات عن خطاب انتخابي، إنها حركة سياسية راكمت سبعين سنة من الوجود داخل الدولة والمجتمع، وعبرت مراحل دقيقة من التاريخ السياسي المغربي، وشاركت في تدبير الشأن العام كما مارست المعارضة، وظلت مرتبطة بقضايا شكلت جزءا من شخصيتها السياسية: المغرب القروي والجبلي، العدالة المجالية، الأمازيغية، التعدد الثقافي واللغوي، والدفاع عن الفئات والمجالات التي لم تستفد بالقدر نفسه من ثمار التنمية. وهذه المرجعية ليست مجرد استدعاء للماضي؛ فالوثيقة نفسها تجعل قيمة التاريخ في قدرته على التجدد والتحول إلى مشروع للمستقبل.
لكن الذي تغير اليوم هو أن هذا الرصيد التاريخي يجد أمامه قيادة اختارت أن تعيد تحريك الحزب سياسيا وميدانيا وفكريا.
ومن الإنصاف السياسي الاعتراف بأن الاستاذ محمد أوزين، منذ تحمله مسؤولية الأمانة العامة، لم يتعامل مع قيادة الحركة الشعبية باعتبارها مهمة لتدبير الموروث التنظيمي، وإنما باعتبارها مسؤولية لإعادة بناء المبادرة السياسية للحزب وتوسيع حضوره داخل المجتمع. وقد ظهر ذلك في الحضور الميداني، والعودة المستمرة إلى المواطن، وفتح الحزب على النقاش العمومي، وإعادة الاعتبار لوظيفته الاقتراحية، وصولا اليوم إلى بلورة عرض سياسي متكامل يضع الحركة الشعبية في موقع الحزب الذي لا يكتفي بانتقاد السياسات، بل يستعد لتقديم البديل.
وهنا تكمن أهمية القيادة السياسية، فالقيادة لا تقاس فقط بقدرتها على تدبير التنظيم، وإنما بقدرتها على إعطائه اتجاها ومعنى وأفقا.
ولعل أحد أهم التحولات التي عرفتها الحركة في هذه المرحلة هو أنها لم تسمح لموقع المعارضة بأن يتحول إلى موقع للانتظار، لقد حاولت أن تجعل منه فضاء لإعادة بناء الذات وإنتاج الاقتراح. والحصيلة البرلمانية التي تشير إليها وثيقة التعاقد، بأكثر من 150 مقترح قانون خلال الولاية، لا ينبغي النظر إليها كرقم للتواصل فقط؛ فهي تكشف عن فلسفة سياسية تعتبر أن المعارضة التي تستحق أن تصبح بديلا هي التي تتدرب على صناعة الحلول قبل أن تطلب مسؤولية تنفيذها.
لهذا لا أقرأ “التعاقد الحركي” منفصلا عن هذا المسار.
إنه في جانب منه حصيلة سياسية لخمس سنوات من المعارضة، وفي جانب آخر إعلان عن الجاهزية لما بعدها.
وهذه نقطة قوة حقيقية للحركة الشعبية.
فالانتخابات المقبلة لن تكون فقط محاكمة لحصيلة الأغلبية الحالية؛ ستكون أيضا امتحانا للمعارضة، ومن السهل على أي حزب أن يعدد إخفاقات الحكومة، لكن السؤال الأصعب هو: ماذا أعددت أنت للمغاربة؟
الحركة الشعبية تقدم اليوم جوابها.
ليس في بضعة شعارات، وإنما في تصور يمتد من القدرة الشرائية إلى الاقتصاد والتشغيل، ومن التعليم والصحة والسكن إلى الأمن الغذائي، ومن العالم القروي والجبل إلى العدالة المجالية، ومن الأمازيغية والأسرة إلى المرأة والشباب ومغاربة العالم والأشخاص في وضعية إعاقة، والأهم من تعداد المجالات أن الحزب اختار أن يربط رؤيته بإجراءات محددة، وأن يضع نفسه منذ البداية أمام منطق التنفيذ والمساءلة.
وهنا يظهر ذكاء اختيار عبارة “التعاقد الحركي”.
فالحركة الشعبية لم تقل للمغاربة فقط: هذا برنامجنا، إنها تقول لهم سياسيا: هذه كلمتنا أمامكم.
والفرق كبير.
فالبرنامج يمكن أن يتحول بعد الانتخابات إلى أرشيف، أما التعاقد فينشئ التزاما سياسيا وأخلاقيا، ولهذا كانت الوثيقة واضحة في التأكيد على أن المصداقية لا تصنعها الوعود، وإنما الالتزامات والإنجاز والمساءلة، بل ذهبت إلى مستوى أكثر جرأة حين قبلت منذ البداية بمبدأ الإعلان عما تحقق وما تعثر وشرح أسباب التعثر وتحمل المسؤولية عنه.
وهذا ليس تفصيلا في التواصل؛ إنه تعبير عن ثقة الحزب في المشروع الذي يقدمه.
والأقوى في هذا التعاقد أنه لم يسع إلى إذابة الحركة الشعبية داخل خطاب سياسي عام يمكن أن يصدر عن أي حزب.
لقد بقيت الحركة الشعبية داخله تشبه نفسها.
فالعدالة المجالية ليست هامشا في المشروع، والعالم القروي والجبل ليسا فقرة تكميلية، والأمازيغية ليست استحضارا موسميا، والفئات التي تعيش بعيدا عن المركز ليست مجرد خزان انتخابي. إنها مكونات لرؤية تعتبر أن المغرب لن يبلغ كامل قوته ما دام جزء من مواطنيه يحصل على فرص أقل فقط لأن الجغرافيا وضعتهم بعيدا عن مراكز الثروة والخدمات.
وهنا بالذات تستعيد الحركة إحدى نقاط تفوقها التاريخية والسياسية: أن تتحدث عن مغرب لا يُرى دائما من الرباط والدار البيضاء، ولكن بدونه لا يمكن فهم المغرب؛ مغرب الجبل والقرية والواحة والمراكز الصاعدة، الذي لا يطلب امتيازا، وإنما نصيبه العادل من التنمية والفرصة والكرامة
وهذا ما يجعل المشروع الحركي قادرا على الجمع بين الوفاء للمرجعية والتجدد في الأدوات، فالحركة التي حملت تاريخيا صوت الجبل والعالم القروي مطالبة اليوم بأن تجعل منهما جزءا من الاقتصاد الجديد؛ والحركة التي ناضلت من أجل الأمازيغية مطالبة بأن تجعل ترسيمها فعليا في الإدارة والمدرسة والحياة العامة؛ والحركة التي دافعت عن الإنصاف المجالي تقدم نفسها اليوم للدفاع عن عدالة الفرصة بين المغربي أينما كان.
إنها ليست قطيعة مع الحركة الشعبية القديمة، بل تحديث للفكرة الحركية نفسها.
وهذا في تقديري واحد من أهم المكاسب السياسية للمرحلة التي يقودها محمد أوزين: إعادة وصل تاريخ الحزب بمستقبله.
لقد اختارت القيادة ألا تجعل سبعين سنة مناسبة للاحتفال بالذاكرة فقط، بل مناسبة لسؤال أكثر جرأة: ماذا تستطيع الحركة الشعبية أن تقدم للمغرب اليوم؟
والجواب يأتي الآن في لحظة سياسية مناسبة.
فالمغرب مقبل على مرحلة ثقيلة بالرهانات: تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، أوراش استراتيجية كبرى، تحديات الماء والغذاء والتشغيل، الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، استحقاق 2030، وتحولات اجتماعية ترفع سقف انتظار المواطن من الدولة والسياسة، وهذه المرحلة تحتاج أحزابا لا تكتفي بتدبير الانتخابات، وإنما تمتلك تصورا للدولة والمجتمع والاقتصاد والمجال.
ومن هنا أعتقد أن الحركة الشعبية لا تدخل استحقاقات 2026 للدفاع عن مكانها فقط، إنها تدخلها بطموح واضح إلى أن تكون قوة وازنة في صناعة المرحلة المقبلة.
وهذا هو التحول الذي ينبغي التقاطه في إعلان “التعاقد الحركي”.
لقد انتقلت الحركة خلال هذه الولاية من إعادة ترتيب البيت الداخلي إلى استعادة الحضور الميداني، ومن المعارضة إلى الاقتراح، ومن الاقتراح إلى بناء البديل، وها هي تنتقل اليوم من البديل كفكرة إلى تعاقد مع المغاربة.
ولذلك فإن الرهان لم يعد إثبات وجود الحركة الشعبية؛ وجودها راسخ في التاريخ السياسي الوطني، ولم يعد المطلوب إثبات قدرتها على المعارضة؛ فقد مارستها وأنتجت من داخلها مقترحات وبدائل.
الرهان الآن هو إثبات جاهزيتها للحكم.
وهنا يبدأ الامتحان الثاني للتعاقد الحركي: أن يتحول من وثيقة قوية إلى وعي سياسي مشترك داخل الحزب، ومن إجراءات مكتوبة إلى خطاب يستطيع المرشح والمناضل حمله والدفاع عنه أمام المواطن، ومن مشروع انتخابي إلى مرجعية تستمر بعد يوم الاقتراع. فالأحزاب لا تقوى فقط بما تنتجه قياداتها من أفكار، وإنما بقدرتها على جعل تنظيمها ونخبها وقواعدها تحمل الفكرة نفسها وتدافع عنها بالوضوح ذاته.
واليوم، مع الإعلان عن “التعاقد الحركي”، تستطيع الحركة الشعبية أن تقول بثقة إنها لم تقض سنوات المعارضة في انتظار دورها، لقد استثمرتها في الاستعداد له.
وتلك، في السياسة، هي المسافة الفاصلة بين حزب ينتظر الانتخابات، وحزب يستعد للحكم.
واليوم، مع الإعلان عن “التعاقد الحركي”، تستطيع الحركة الشعبية أن تقول بثقة إنها لم تقض سنوات المعارضة في انتظار دورها، بل استثمرتها في الاستعداد له، وتلك، في السياسة، هي المسافة الفاصلة بين حزب ينتظر الانتخابات، وحزب يستعد لتحمل مسؤولية الحكم.
والحركة الشعبية لا تطلب من المغاربة أن يكافئوها على سبعين سنة من التاريخ، فالتاريخ لا يمنح شيكا انتخابيا على بياض، وإنما تقدم لهم اليوم ما تعتقد أنه يؤهلها لصناعة السنوات المقبلة: رصيدا سياسيا وطنيا، وقيادة أعادت للحزب المبادرة والحضور، ومشروعا واضحا، وجرأة على تحويل البرنامج إلى تعاقد، واستعدادا لتحمل مسؤولية الالتزام أمام المواطنين.
لذلك، فإن الإعلان عن “التعاقد الحركي” لا ينبغي أن يُقرأ كنهاية لمسار إعداد برنامج انتخابي، بل كبداية مرحلة سياسية جديدة تريد فيها الحركة الشعبية أن تستعيد موقعها الطبيعي كقوة اقتراح وقرار، وأن تدخل الاستحقاقات المقبلة لا بمنطق البحث عن موقع داخل الخريطة السياسية، وإنما بطموح التأثير في اتجاهها والمساهمة في قيادة المرحلة المقبلة.
فالمغرب اليوم أمام تحولات كبرى، والتحولات الكبرى تحتاج إلى أحزاب تملك التاريخ، ولكنها لا تعيش أسيرة له؛ وإلى قيادات تستمع إلى المجتمع، ولكنها تملك أيضا شجاعة القرار؛ وإلى مشاريع لا تكتفي بتشخيص الاختلالات، وإنما تحمل بديلا وتقبل أن تُحاسب عليه.
وهذا هو الرهان الذي اختارت الحركة الشعبية أن تضع نفسها أمامه اليوم: أن تجعل من سبعين سنة من التاريخ قوة لصناعة المستقبل، ومن سنوات المعارضة رصيدا للجاهزية، ومن التعاقد مع المغاربة أساسا جديدا للثقة والمسؤولية.
جا الوقت.
مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية
باحث في الاقتصاد الجديد والتنمية





