بركان تكتب بلاغة الجغرافيا السياسية: وائل عواد يقود دبلوماسية موازية تنتزع اعترافاً جنوب إفريقياً بالدور المغربي في تحرير إفريقيا

ابراهيم ادريسي
في لحظة سياسية ذات دلالات عميقة، عادت مدينة بركان لتضع المغرب مجدداً في قلب الذاكرة التحررية للقارة الإفريقية، من خلال استقبال الدكتور وائل عواد، رئيس حزب القوات المواطنة، ومرافقته للوفد الدبلوماسي الجنوب إفريقي في زيارة حملت أكثر من رسالة، أبرزها الاعتراف الرمزي بعمق الدور التاريخي للمملكة في دعم حركات التحرر الإفريقية ومناهضة الاستعمار.
فالمغرب، الذي احتضن الثوار الأفارقة وفتح أراضيه لمعسكرات التدريب ولقاءات التنسيق بين الزعماء التاريخيين، يواصل اليوم استثمار هذا الرصيد النضالي في إطار دبلوماسية موازية ذكية، تجعل من الذاكرة المشتركة مدخلاً لتعزيز حضوره في عمقه الإفريقي.
وخلال هذه الزيارة، قام الوفد الجنوب إفريقي بجولة في عدد من الفضاءات التاريخية التي أقام وتدرّب بها الزعيم الراحل نيلسون مانديلا إلى جانب قيادات الثورة الجزائرية، وهي الجولة التي حملت شحنة رمزية قوية.
وقد عبّر السيد نيكاتيكو مانغاني عن اعتزازه الكبير بما لمسه من عمق الروابط التاريخية التي تجمع الشعبين المغربي والجنوب إفريقي، مشيداً بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة اللذين حظي بهما في مدينة بركان، كما أبدى تأثراً خاصاً بزيارة أماكن إقامة وتدريب مانديلا، معتبراً أن الأجواء الإنسانية والعائلية التي أحاطت به آنذاك تعكس الوجه الحقيقي للمغرب كحاضنة للتحرر الإفريقي.
ومن جانبه، قدّم المؤرخ عبد الوهاب عكاوي شهادة تاريخية وازنة، أكد فيها أن إقامة نيلسون مانديلا بالمنطقة جرت في سياق حماية سياسية ورمزية وفرها المغرب في عهد جلالة المغفور له الملك محمد الخامس، إلى جانب احتضان قيادات الثورة الجزائرية، مبرزاً أن مدينة بركان شكّلت قاعدة خلفية استراتيجية للثورة الجزائرية قبل الاستقلال، بفضل موقعها الجغرافي القريب من الحدود، ما جعلها مركزاً حيوياً للتنسيق الميداني والسياسي بين قيادات التحرر المغاربي والإفريقي.
ولم تقف الزيارة عند حدود بعدها التاريخي والسياسي، بل امتدت إلى البعد الروحي والديني، من خلال زيارة رسمية للزاوية القادرية البوتشيشية، حيث كان الوفد في ضيافة شيخها سيدي معاذ القادري البوتشيشي، الذي قدّم عرضاً مقتضباً حول الدور الذي تضطلع به الدبلوماسية الدينية المغربية في ترسيخ العلاقات الإفريقية، وتقريب الشعوب، وإشاعة قيم التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات.
وتكمن القوة السياسية لهذه الزيارة في أنها تمثل إقراراً ضمنياً صادراً عن وفد يمثل دولة ذات مواقف سياسية متباينة مع المغرب في بعض الملفات، بوزن المغرب التاريخي في نصرة قضايا إفريقيا وحركات استقلالها.
وهذا ما يمنح للحدث بعداً يتجاوز البروتوكول، ليصبح انتصاراً سياسياً ورمزياً للمغرب ولمؤسساته الوطنية والحزبية التي تحسن توظيف التاريخ في خدمة الحاضر.
وفي هذا الإطار، برزت كلمة الدكتور وائل عواد كرسالة سياسية متزنة، ثمّن فيها هذه الزيارة بوصفها تجديداً للاعتراف بالدور المغربي الرائد في دعم الثورات الإفريقية، مؤكداً أن الدبلوماسية الموازية التي يقودها حزب القوات المواطنة تشكل رافعة حقيقية لتعزيز صورة المغرب كقوة تاريخية في الدفاع عن حرية الشعوب الإفريقية.
لقد نجح هذا الحدث، بكل تفاصيله، في أن يحوّل بركان إلى منصة للذاكرة والانتصار السياسي، حيث التقت شهادات التاريخ، والاعترافات الدبلوماسية، والمبادرة الحزبية في مشهد واحد يؤكد أن المغرب لم يكن فقط سنداً لاستقلال إفريقيا، بل كان أحد صُنّاعه الكبار.



