عيد الأضحى وقانون العرض والطلب: ماذا سيقع في الأسابيع المقبلة في ظل مؤشرات التحكم في السوق؟

سعيد بوطبسيل.
مع اقتراب عيد الأضحى، وقبل أن تنطلق عملية البيع بشكل فعلي، تبرز ملامح وضع يثير القلق، يتعلق بإمكانية توجيه السوق بشكل يفرغ قانون العرض والطلب من مضمونه. فالمؤشرات الأولية لا ترتبط بنقص في القطيع، ولا باضطراب واضح في الإنتاج، بل تعكس استعدادات غير معلنة قد تؤثر في طريقة عرض الأضاحي وفي مستويات الأسعار خلال الأسابيع القادمة.
القراءة الاستشرافية لهذا الوضع تشير إلى احتمال بروز ممارسات تقوم على التحكم في وتيرة العرض، وعلى توزيع القطيع بشكل غير متوازن بين الأسواق، وعلى تأخير طرح كميات مهمة في اللحظات الحاسمة، وهو ما قد يخلق ضغطا نفسيا لدى المستهلكين ويدفع نحو ارتفاع تدريجي في الأسعار دون مبرر موضوعي مرتبط بالكلفة أو بالندرة الحقيقية.
كما يُنتظر أن تلعب المعلومة دورا مؤثرا في هذه المرحلة، سواء عبر تداول توقعات بارتفاع الأسعار، أو عبر تضخيم الطلب المتوقع، وهو ما قد يوجه سلوك الأسر نحو الشراء المبكر وتقبل أثمان مرتفعة، فيتحول السوق تدريجيا إلى فضاء تتحكم فيه التوقعات أكثر مما تتحكم فيه المعطيات الواقعية.
وفي حال تزامن ذلك مع تنسيق غير ظاهر بين بعض المتدخلين في سلاسل الإنتاج والتوزيع، فإن النتيجة قد تكون سوقا تتحرك بشكل شبه موحد، حيث تتقارب الأسعار في مختلف المناطق، ويصعب على آلية المنافسة أن تلعب دورها الطبيعي في التعديل والتوازن.
هذا السيناريو، إن تحقق، يعني أن قانون العرض والطلب لن يكون المحدد الرئيسي للأسعار خلال هذه الفترة، بل ستتدخل عوامل أخرى مرتبطة بالتحكم في القنوات، وفي توقيت العرض، وفي توجيه الطلب.
وفي سياق قريب يعزز هذه القراءة، برزت خلال الأسابيع الأخيرة حالات واضحة لمنتجات فلاحية عرفت وفرة ملحوظة في الأسواق، مثل الطماطم والبصل، ومع ذلك سجلت أسعارها مستويات فاقت كل التوقعات، وهو ما يعكس بشكل ملموس أن وفرة العرض لم تعد كافية لضبط الأسعار، وأن هناك اختلالات في مسارات التوزيع أو في آليات التسويق تؤدي إلى نتائج لا تنسجم مع القواعد الاقتصادية التقليدية.
ومن زاوية القدرة الشرائية، يطرح مستوى أسعار الأضاحي إشكالا آخر لا يقل أهمية، إذ يصبح من غير المنطقي وتحت أي مبرر أن يقترب الحد الأدنى لثمن الأضحية من الحد الأدنى للأجور أو يفوقه، لأن ذلك ينقل الشعيرة من نطاقها الاجتماعي والتضامني إلى عبء مالي ثقيل، ويعمق الفوارق، ويضع شريحة واسعة من الأسر أمام خيارات صعبة لا تنسجم مع روح المناسبة ولا مع التوازن الاقتصادي السليم.
وفي ما يتعلق بسلوك المستهلك، يلاحظ أن عامل الترقب والخوف من ارتفاع أكبر في الأسعار قد يدفع عددا من الأسر إلى اتخاذ قرارات شراء مبكرة أو متسرعة، وهو ما يخلق طلبا إضافيا في فترة قصيرة، ويمنح السوق دفعة اصطناعية نحو الارتفاع. كما أن تشتت القرارات الفردية للمستهلكين واعتماد كل أسرة على تقديراتها الخاصة، يجعل السوق أكثر قابلية للتأثر بالإشاعات والتوقعات، ويضعف القدرة على تحقيق توازن طبيعي في الأسعار خلال هذه المرحلة.
أمام هذه المؤشرات، تبرز الحاجة إلى اليقظة المبكرة، وإلى متابعة دقيقة لحركية السوق خلال الأسابيع التي تسبق العيد، وإلى التعامل مع هذه المرحلة باعتبارها مرحلة حساسة لا تتحكم فيها فقط المعطيات الكمية للعرض والطلب، بل تتداخل فيها سلوكيات الفاعلين والتوقعات والممارسات غير المباشرة، بما يفرض ضرورة حماية القدرة الشرائية للمواطنين، وتعزيز الشفافية، وتقوية آليات التتبع، مع ضرورة اضطلاع الإعلام العمومي والخاص بدور الوسيط والموازن في توجيه النقاش العمومي وسلوك المستهلك، حتى لا ينزلق هذا الأخير إلى تأثيرات مضللة قد تنتشر عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي التي قد تُستعمل لتوجيه الرأي العام بشكل غير متوازن.



