وجهات نظر

عيدودي يكتب : من شمائل الأخ سيدي صلوح الجماني

ليس من اليسير أن تختزل الرجال العظام في كلمات .. ولا أن تحيط الأقلام بمن اتسعت مآثرهم حتى ضاقت عنها السطور. فهناك رجال يصنعون الأحداث، وهناك رجال يصنعون الأثر، وهناك رجال يتركون في النفوس من المحبة ما يبقى بعد الأسماء والألقاب، *ومن هؤلاء سيدي صلوح الجماني.*
هو رجل جمع الله له بين شرف الأصل، وصدق السيرة، وطيب السريرة .. فكان في قومه كريم المحتد، وفي وطنه صادق العهد، وفي مجتمعه واسع البر والإحسان.
*الوطنية عنده إرث الآباء وعهد الأبناء*
ورث الوطنية كما يرث الأبناء ملامح الآباء، لا ككلمة تُرفع في الخطب، بل كعقيدة تُسكن القلب، وكأمانة تُحمل على الأكتاف.


نشأ في بيتٍ كانت فيه محبة الوطن دينًا مدنيًا لا يتزعزع، ومدرسةً يوميةً يتربى فيها الأبناء على الوفاء للعرش، والتمسك بالثوابت، والدفاع عن وحدة البلاد، وخدمة العباد.
فشرب حب المغرب مع أولى خطواته، وتعلم أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالتضحيات، ولا تُصان بالكلمات، بل بالمواقف.
فكان، حيثما حلّ وارتحل، سفيرًا لقيم الوطنية الصادقة، لا الوطنية الموسمية؛ وطنية العطاء لا الادعاء، والعمل لا الضجيج، والبناء لا الهدم.
*التصوف السني … نور في القلب وسلوك في الحياة*
نشأ على تعاليم الإسلام الحنيف ، دين الرحمة لا القسوة، ودين المحبة لا الكراهية، ودين البناء لا الفوضى.
فانعكس ذلك على شخصيته وقيمه وسلوكه، فكان لينًا في غير ضعف، قويًا في غير بطش، متواضعًا في غير مهانة، مهابًا في غير تكبر.
يعرف قدر العلماء فيجلهم، ويحفظ مكانة الصالحين فيكرمهم، ويوقر الكبير رحمةً وخبرةً، ويعطف على الصغير حبًا وتربيةً.
ولعل أجمل ما في شخصيته ذلك التوازن النادر بين هيبة المسؤول وتواضع المؤمن؛ فلا يغتر بمنصب، ولا يتعالى بجاه، ولا ينسى أن خير الناس أنفعهم للناس.
*سيدي صلوح قلب يسع الجميع*
هناك قلوب تُحب من يحبها، وهناك قلوب تتسع للجميع.
وسيدي صلوح من أصحاب القلوب الرحبة التي لا تعرف ضيقًا ولا انغلاقًا.
يطرق الفقير بابه فلا يُرد، ويقصده المحتاج فلا يُخيّب، ويستعين به صاحب الحاجة فلا يسمع منه إلا كلمة طيبة، أو يجد منه يدًا معطاءة، أو جاهًا مبذولًا.
فكم من مكروب فرج الله كربته على يديه، وكم من صاحب حاجة قضيت بسببه، وكم من أسرة أشرق الفرح في بيتها بعد أن امتدت إليها يد إحسانه.
يعطي في صمت، ويصنع المعروف في خفاء، ويرى أن أجمل الصدقات ما لم تُتبع بمنٍّ ولا أذى.
*هو رجل المبادرات الخيرة*
لم يكن حضوره مقتصرًا على العمل السياسي أو الاقتصادي، بل امتد إلى كل باب يُرجى منه الخير.
فما من مبادرة اجتماعية نافعة إلا وكان من الداعمين لها، وما من مشروع خيري يخدم الناس إلا وجد فيه موطئ قدم، وما من عمل إحساني يخفف معاناة المحتاجين إلا وكانت له فيه مساهمة أو أثر.
يُسهم بماله حين يكون المال مطلوبًا، ويُسهم بجاهه حين يكون الجاه أنفع، ويُسهم بعلاقاته حين تكون الكلمة الطيبة مفتاحًا للحلول.
فجمع بين بذل المال وبذل الجاه، وبين الكرم المادي والكرم المعنوي، وبين الدعم المباشر والرعاية المستمرة.
*إنه هيبة بلا تكبر… وتواضع بلا تصنع*
ومن أعجب ما يجتمع في الرجال أن تجتمع الهيبة مع التواضع.فالناس تهابه احترامًا، ويحبونه قربًا.
إذا دخل مجلسًا حضر الوقار، وإذا تكلم أصغى الحاضرون، وإذا حكم بين الناس وثقوا بعدله، وإذا وعد أوفى.
هيبةٌ لا تصنعها المناصب، بل تصنعها الأخلاق.
ووقارٌ لا تمنحه البروتوكولات، بل تمنحه التجارب والمواقف.
وتواضعٌ لا يتكلفه صاحبه، بل يخرج منه عفويًا كما يخرج العطر من الزهر.
*الأخ سيدي صلوح العقل الجامع*
وهبه الله عقلًا يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويبني ولا يهدم.
فهو ممن يؤمنون أن الاختلاف لا يفسد للمودة قضية، وأن الحكمة خير من الخصومة، وأن الإصلاح بين الناس من أشرف المقامات.
ولذلك ظل مرجعًا لكثير من الناس في المشورة، وملاذًا للباحثين عن الكلمة الرصينة والرأي المتزن.
*الخاتمة عود على بدأ*
سيدي صلوح الجماني ليس مجرد اسم في سجل الرجال، بل صفحة من صفحات الوفاء، وعنوان من عناوين الكرم، ومدرسة من مدارس الوطنية الصادقة.
جمع بين حب الوطن وحب الإنسان، وبين قوة الحضور وجمال التواضع، وبين الحكمة في التدبير والرحمة في التعامل.
فكان للوطن ابنًا بارًا، وللفقراء سندًا، ولأهل الصلاح محبًا، ولأصحاب الحاجات معينًا، ولأبناء مجتمعه أخًا كبيرًا وقلبًا رحيمًا.
وإذا كان لبعض الرجال أثرٌ في زمانهم، فإن لبعض الرجال أثرًا في الزمان نفسه؛ لأنهم يتركون في النفوس ذكرًا حسنًا، وفي القلوب محبةً صادقة، وفي المجتمع بصمةً لا تمحوها الأيام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى