وجهات نظر

يوسف بودرهم يكتب …حين يتحول العم من حارس إلى جلاد وخائن للرابط الدموي والضمير الأسري

 

مما لا شك فيه أن العم، في الموروث الثقافي والاجتماعي للمجتمعات الإنسانية عبر العصور، لم يكن مجرد شخصية ثانوية، فقد كان يحتل في الوجدان الجماعي مكانة الأب، لأن الأعراف رسخت دوره داخل الأسرة باعتباره الحارس الأمين والسند الذي يلجأ إليه الطفل حين يغيب أبوه أو يعجز.

وبالتالي، فالعائلة في معناها العميق، لم تكن مجرد سقف مشترك، كونها كانت منظومة تربوية متكاملة يتكامل فيها الآباء والأعمام والأجداد في صون الطفل وتشكيل وجدانه، وهكذا كان العم، في مفهوم الأسرة الممتدة، درعا واقية لرابطة الدم.

غير أن هذه القيم بدأت تتلاشى أمام ممارسات دخيلة على الثقافة المغربية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الفيديو المتداول بالأمس، الذي خلف موجة واسعة من الاستياء لدى الأسر المغربية، وجعلنا نقف بين الذهول والغضب.

ذلك أننا أصبحنا أمام مشهد يهدم الصورة الجميلة التي نعمل على ترسيخها في أذهان أطفالنا إتجاه العائلة ومحيطها الأسري.

وهنا يطرح سؤال مؤلم ومعقد:
ماذا يحدث حين يتحول العم من حارس إلى جلاد للقيم ورابطة الدم؟
لقد شاهدنا رجلين بالغين يدفعان بطفل لم يتجاوز السادسة من عمره إلى شرب الكحول، ويوثقان ذلك بكاميرا الهاتف، ثم ينشران المشهد على الملأ دون خجل أو وازع من ضمير.

لم تكن زلة عابرة أو لحظة طيش، لأنها تعتبر سلوكا لا أخلاقيا مقصودا جرى داخل حضن الأسرة نفسها، وهو ما يجعل الألم أشد مما لو صدر الفعل عن شخص غريب.

إننا لا نقف أمام واقعة عادية، بل أمام صورة صادمة للانهيار الأخلاقي، فالطفل البريء لا ذنب له، لأنه قاصر لم يبلغ سن التمييز، ولا يملك إرادة الرفض، ولا يدرك حجم ما يرتكب في حقه.

والمؤلم أكثر أن من كان يفترض فيهما أن يكونا مصدر دفء وأمان وحماية، تحولا إلى مصدر للإيذاء والاستهزاء، وحولا الثقة الفطرية التي يمنحها الطفل لأهله إلى وسيلة للإساءة والعبث بكرامته.

كما لم يكتفيا بالفعل المشين، بل أضافا إليه جريمة أخرى حين وثقاه ونشراه، فتحول الطفل من ضحية داخل فضاء مغلق إلى ضحية أمام أنظار الجميع، تنتهك كرامته وتتداول صورته كما يتداول أي محتوى تافه.

وما يزيد المشهد قسوة أن الفاعلين ليسا من خارج الأسرة، بل من داخلها، وهو ما يجعل الواقعة خيانة حقيقية للرابطة الأسرية وللقيم التي يفترض أن تحكمها التقاليد.

ونافلة القول، هذا الطفل يستحق عدالة رادعة تنصفه، كما يستحق أن يعيش في بيئة تحميه وتصون طفولته وكرامته، لا أن تدفعه إلى الحضيض الذي تكشف عنه هذه الصورة المروعة،
فحين تفقد الأسرة دورها في الحماية، وتتحول بعض روابط الدم إلى أدوات للإيذاء، فإن الخطر لا يهدد طفلا واحدا فقط، بالقدر الذي يهدد منظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع المغربي بأسره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى