النقابة الشعبية للشغل: نحو بناء نموذج نقابي جديد يواكب تحولات العصر

يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة فرضتها العولمة، والتطور التكنولوجي المتسارع، وتغير أنماط الإنتاج والتشغيل، الأمر الذي جعل العمل النقابي أمام تحديات جديدة تستوجب مراجعة آليات الاشتغال وتطوير أساليب التأطير والدفاع عن حقوق الشغيلة. وفي هذا السياق برزت مبادرة تأسيس “النقابة الشعبية للشغل” باعتبارها مشروعا نقابيا طموحا يسعى إلى المساهمة في تجديد الفعل النقابي الوطني وإعادة الاعتبار للعمل النقابي الجاد والمسؤول.
تنطلق النقابة الشعبية للشغل من قناعة راسخة مفادها أن الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمهنية للعاملات والعمال لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تنظيم نقابي ديمقراطي ومستقل، قادر على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق الشغل، ومؤهل لاقتراح البدائل والحلول الكفيلة بتحسين أوضاع الشغيلة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
وتسعى النقابة إلى بناء نموذج نقابي حديث يقوم على الديمقراطية الداخلية، والشفافية في التدبير، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المنخرطات والمنخرطين في اتخاذ القرار، بما يضمن تمثيلية حقيقية لمختلف الفئات المهنية والقطاعية.
ومن بين الأهداف الاستراتيجية للنقابة الشعبية للشغل، تعزيز الحوار الاجتماعي المسؤول بين مختلف الأطراف المعنية، والدفاع عن تحسين الأجور والقدرة الشرائية، وحماية الحقوق والحريات النقابية، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، والمساهمة في تطوير التشريعات المرتبطة بعلاقات الشغل بما ينسجم مع مقتضيات الدستور والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
كما تولي النقابة أهمية خاصة لمواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على سوق الشغل، من خلال الاهتمام بقضايا التشغيل المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، والعمل عن بعد، والذكاء الاصطناعي، والتكوين المستمر، وإعادة تأهيل الموارد البشرية لمواجهة المهن الجديدة التي تفرضها الثورة الصناعية الرابعة.
وفي إطار رؤيتها المستقبلية، تراهن النقابة الشعبية للشغل على تكوين جيل جديد من القيادات النقابية المؤهلة علميا ومهنيا، والقادرة على ممارسة الترافع المؤسساتي والدفاع عن مصالح الشغيلة بأساليب حديثة تعتمد الحوار والتفاوض والاقتراح، مع الحفاظ على استقلالية القرار النقابي وخدمة المصلحة العامة.
وتطمح النقابة كذلك إلى تعزيز حضورها في مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، وإرساء شبكة تنظيمية قوية على المستوى الوطني، بما يضمن القرب من المواطنين والتفاعل المباشر مع قضاياهم اليومية، مع الانفتاح على التجارب النقابية الرائدة وطنيا ودوليا والاستفادة من أفضل الممارسات في مجال الحكامة النقابية.
إن تأسيس النقابة الشعبية للشغل لا يمثل مجرد إضافة عددية إلى المشهد النقابي المغربي، بل يعكس إرادة جماعية لبناء إطار نقابي مواطن، يجمع بين الدفاع عن الحقوق والمساهمة في التنمية، ويؤمن بأن العمل النقابي الجاد والمسؤول يشكل ركيزة أساسية لبناء الدولة الاجتماعية وتعزيز الاستقرار والتماسك المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يشكل المؤتمر المزمع عقده يوم الجمعة 26 يونيو 2026 بمسرح بوجميع بمدينة الدار البيضاء محطة تأسيسية مهمة في مسار هذا المشروع النقابي، وفرصة لإطلاق دينامية جديدة قوامها الجدية، والكفاءة، والاستقلالية، والالتزام بخدمة قضايا الشغيلة المغربية والدفاع عن كرامتها وحقوقها المشروعة.



