وجهات نظر

الطب في المغرب: بين الهيمنة المهنية ومنطق السوق وتحولات الثقة الاجتماعية

 

د. هشام بوقشوش / باحث في علم الاجتماع

الجزء الأول

الطب كحقل اجتماعي وتمثل المكانة والهيبة

تعد مهنة الطب في المخيال الاجتماعي المغربي إحدى أكثر المهن ارتقاء من حيث المكانة والرمزية، إذ تتجسد فيها معايير النجاح الاجتماعي كما يعرّفها المجتمع الحديث: امتلاك رأسمال علمي متين، ورأسمال رمزي مؤسس على الهيبة والثقة الاجتماعية، ورأسمال اقتصادي يضمن موقعا مميزا داخل البنية الطبقية. يتفاعل هذا التمثل مع ما يسميه بيير بورديو بـالحقل؛ فالطب ليس مجرد نشاط مهني، بل فضاء مستقل نسبيا تحكمه قواعده الخاصة وصراعاته الداخلية حول المكانة، المعرفة، الشرعية المهنية، والتميز الرمزي بين التخصصات، وبين القطاعين العام والخاص.

في هذا الإطار، يكتسب الطبيب موقعا مهيبا بوصفه فاعلا يحتكر المعرفة العلمية الدقيقة حول الجسد والمرض، ما يمنحه سلطة رمزية تتجلى في لغة الخطاب، والمظهر، والألقاب الاجتماعية مثل «الدكتور» أو «الدكتورة»، التي تتحول إلى علامة هوية اجتماعية تعكس امتلاك رأس مال ثقافي عال. لا يقتصر الأمر على النجاح الفردي للطبيب، بل يشمل أيضا ترقية الوضع الاجتماعي للعائلة، إذ ينظر إلى وجود طبيب داخل الأسرة كدليل على الكفاءة، المكانة، والوجاهة الاجتماعية. في كثير من السياقات، يصبح هذا النجاح جزءًا من رأس المال الرمزي للعائلة ككل، يستدعى في المناسبات الاجتماعية والقرابية، ويستثمر في توسيع شبكات العلاقات والمكانة الطبقية.

يتغذى هذا التصور من الهابيتوس العائلي الذي يدفع الكثير من الأسر المغربية إلى اعتبار دراسة الطب مشروعا أساسيا لأبنائها، حتى وإن كان ذلك يفوق الإمكانات الموضوعية أو القدرات العلمية الفعلية. هنا تتجسد ديناميات الرغبة في الحركية الطبقية، والتطلع إلى صعود اجتماعي مضمون، ما يدفع بعض الأسر إلى التضحية بالموارد المالية، واللجوء إلى القروض أو التعليم الخصوصي العالي التكلفة، أو إرسال الأبناء للدراسة بالخارج حين يستعصي الولوج للجامعات العمومية. ويكشف هذا النموذج عن آلية اجتماعية تفضل ما يسميه بورديو بـ” الاستثمار التربوي الطبقي”، حيث تتقاطع الطموحات الفردية مع توقعات بنيوية حول القيمة المستقبلية للمهنة، بوصفها قناة أساسية للترقي داخل هرم المجتمع.

تنعكس هذه الدينامية كذلك في تمثلات عامة، تتجلى في الخطاب الإعلامي، وفي الحوارات اليومية، وفي الثقافة الشعبية التي تستدعي صورة الطبيب بوصفه النموذج المثالي للنجاح. من جهة أخرى، تنتج هذه المكانة التراتبية صراعات داخل الحقل الطبي نفسه، بين أطباء متخصصين وعامين، وبين العاملين في القطاع العام والخاص، وبين من يملكون رساميل اجتماعية وشبكية قوية ومن يشتغلون في ظروف هامشية أو ضغط مؤسسي. بهذا المعنى، يتجاوز فهم تمثل مهنة الطب مستوى الوعي الجماعي المباشر، ليصبح مدخلا لفهم بنية التحول الاجتماعي في المغرب، ورغبة الأفراد والأسر في التفاوض مع بنية الفرص عبر المعرفة، العلم، والرمزية الطبقية.

إن هذا التمثل الراسخ لمهنة الطب باعتبارها قمة الهرم الاجتماعي لا يعبر فقط عن مكانة علمية ومهنية، بل يعكس أيضًا صراعًا أعمق حول القيمة، الشرعية، والهوية الاجتماعية: صراع بين الاستحقاق والكفاءة من جهة، وضغط التوقعات العائلية والاجتماعية من جهة أخرى؛ وبين المثالية الأخلاقية للمهنة، ومنطق التنافس والترقي داخل سوق اجتماعي واقتصادي معولم. ومن ثم، فإن دراسة هذا التمثل ليست مجرد قراءة لصورة مهنية، بل هي تحليل لبنية الحراك الاجتماعي في المجتمع المغربي، وفهم لطريقة اشتغال رؤوس الأموال الرمزية والمعرفية في إعادة إنتاج أو تعديل المواقع الطبقية داخل النسق الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى