السياسة كتعويض نفسي: قراءة سيكولوجية في ظاهرة المسؤول السياسي الاستعراضي

ابراهيم ادريسي
في السنوات الأخيرة، لم تعد الممارسات السياسية تُفهم فقط بمنطق البرامج أو الصراعات الإيديولوجية، بل أصبحت مادة خصبة للتحليل السيكولوجي.
فظاهرة المسؤول الذي يحوّل المنصب العمومي إلى حملة دائمة، ويغرق الفضاء العام بالخطاب والصورة، تكشف في عمقها عن ديناميات نفسية تتجاوز السياسة بمعناها التقليدي.
وفق مقاربات علم النفس السياسي، فإن النزوع إلى الاستعراض غالبًا ما يرتبط بما يسمى “تعويض النقص الرمزي”. حين يعجز الفعل عن إنتاج شرعية حقيقية، يلجأ صاحبه إلى تضخيم الذات عبر الظهور المستمر، بحثًا عن الاعتراف لا عن الأثر. هنا يصبح المنصب مرآة للذات، لا أداة لخدمة الجماعة.
تُفسر نظرية النرجسية السياسية هذا السلوك بوصفه حاجة دائمة للتصفيق، حيث تُستبدل المحاسبة بالتفاعل الرقمي، وتُقاس القيمة السياسية بعدد المشاهدات لا بنتائج السياسات. في هذا السياق، لا يعود المواطن شريكًا في القرار، بل مصدرًا للتغذية النفسية، يُستدعى عند الحاجة ثم يُهمَّش.
أما من زاوية نظرية الإدارة بالانطباع (Impression Management)، فإن السياسي الاستعراضي لا يسعى إلى حل المشكلات بقدر ما يسعى إلى التحكم في صورتها. فالأزمات تُدار خطابيا، لا مؤسساتيًا، ويُختزل التعقيد في سرديات مبسطة، تريح المتلقي، لكنها تؤجل الحلول الحقيقية.
وتذهب مقاربات أخرى، مثل نظرية الشرعية الرمزية، إلى أن بعض المسؤولين يسرّعون الحملات الانتخابية لأنهم يدركون هشاشة إنجازهم الفعلي. فبدل انتظار لحظة التقييم، يتم خلق حالة دائمة من التعبئة، تُربك الزمن السياسي، وتخلط بين المسؤولية والتنافس.
في عصر الشبكات الاجتماعية، تتغذى هذه الظواهر من منطق الخوارزميات، حيث يكافَأ الصخب أكثر من العمق، والانفعال أكثر من التخطيط. ومع الوقت، تتشكل شخصية سياسية أسيرة للعرض، تخشى الصمت لأنه يعرّي الفراغ، وتخشى المؤسسات لأنها تفرض حدودًا.
غير أن أخطر ما في هذا النموذج، سيكولوجيًا وسياسيًا، هو أثره على الوعي الجماعي. فحين يتعوّد المجتمع على السياسة كفرجة، تتآكل ثقافة المساءلة، ويُعاد تشكيل التوقعات: ننتظر الكلام بدل الحل، والحضور بدل النتيجة.
السياسة، في جوهرها، ليست علاجًا لنقص فردي، ولا منصة لتحقيق الاعتراف الشخصي. إنها ممارسة عقلانية جماعية، تقوم على الكفاءة، وضبط الذات، وتأجيل الأنا لصالح المصلحة العامة. وكلما غابت هذه القاعدة، تحولت السلطة من وظيفة إلى عَرَض.



