وجهات نظر

الدكتور عيدودي يكتب في فن الحوار من التناظر إلى التواصل والتشاور

 

يظل الحوار ركيزة أساسية في تقدم المجتمعات وازدهارها لكن شكله وأدابه شهدا تحول جذري عبر العصور، من نموذج “التناظر” المغلق إلى نموذج “التواصل والتشاور” المفتوح.
وهذا التحول يستدعي وقفة للتفكير في أسس كل نموذج وتقييم واقعنا المعاصر في ضوئها.
*أدب التناظر: حكمة التخصص واحترام العلم*
ينطلق فن الحوار في تراثنا الفكري الإسلامي من قاعدة فقهية عظيمة وأصيلة في ثقافتنا الشعبية، وهي “إلجام العوام عن علم الكلام”. لقد اشترط العلماء والفقهاء سابقا أن الحديث في علوم الكلام والعقليات ليس من اختصاص عامة الناس، بل هو كلام اختصت به خاصة الخاصة من الفقهاء والعلماء. وكان من الآداب المتوارثة ألا يجوز التناظر بين عالم ورجل من العوام، لأن من أداب العلم والعالم والمتعلم أن يسمع المتعلم من المعلم ليبلغ أسمى مقامات العلم والتعلم. لقد كان هذا النموذج يحافظ على هيبة العلم، ويصون عقول العامة من الشبهات، ويضمن نقاء المنهج العلمي.
*فن التواصل: فلسفة الحوار الحديث وآلياته*
لكن حين ننتقل إلى العصر الحديث نجد أن فن التواصل والحوار قد تطور ليضع قواعد ذهبية جديدة أبرزها: “الرسالة والمرسل والمرسل إليه، والاستماع والإصغاء، ووحدة الموضوع”.
فلكي يكون التواصل ناجحا ومحققا لغايته وجب على المستقبل (المرسل إليه) الإصغاء بفعالية حتى تصل الرسالة من المرسل بصورة سليمة. وبعدها ينتقل الدور إلى المرسل لينتبه للمستقبل هل تلقى الرسالة أولا؟ وهل فهمها واستوعبها؟ أم أن عليه تقديم مزيد من الشرح والتفسير؟ هنا لم يعد الحوار تلقينا من أعلى بل أصبح عملية تبادلية تقوم على التفاعل والتغذية الراجعة، بهدف تحقيق الفهم المشترك.
*الواقع المرير: حين يتحول الحوار إلى فوضى*
ما نعيشه اليوم في عصر السرعة والحداثة والذكاء الاصطناعي يفتقر لهذه القواعد بل يفتقدها بشكل شبه مطلق. لقد سقطت الحواجز فأصبح الجميع – بمن فيهم من لا يمتلك أدنى مؤهل – يتحدث في الدين والطب والتعليم والثقافة والشعر والسياسة.
في هذه الفوضى لا أحد يسمع أحد .. ولا أحد يلجم نفسه عما لا يعرف .. وكثرت الأصوات وقل الفهم بل إن هذه الظاهرة امتدت إلى أروقة المؤسسات الوطنية .. حيث تدعى اللقاءات التشاورية والتواصلية من أجل صياغة برامج تنموية .. فتختطف لتصبح ساحة لتفريغ صراعات شخصية وتصفية حسابات سياسية على رقعة مؤسسات دستورية لها قيمتها وحرمتها.

*خاتمة*
إن الانتقال من ثقافة “التناظر” الحصري إلى ثقافة “التواصل” المفتوح كان ضروريا لتطور المجتمعات لكن هذا الانتقال يفقد قيمته إذا لم يرافقه التزام بأداب الحوار الأساسية من استماع وإصغاء وتركيز على المصلحة العامة.
إن استعادة هذه الآداب والجمع بين حكمة الماضي وقواعد الحاضر هي السبيل الوحيد لتحويل ضجيج الحديث إلى حوار هادف يبني ولا يهدم .. ويوحد ولا يفرق.
و الله المستعان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى