ابراهيم ادريسي يكتب….عفو صنصال ليس نهاية القصة: بل رضخ للنضام الجزائري خطوة بعد أخرى

لم يكن قرار إطلاق سراح الكاتب الجزائري-الفرنسي بوعلام صنصال حدثًا حقوقيًا عابرًا، بل مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة على حالة الارتباك التي يعيشها النظام العسكري الجزائري، بعد سلسلة من الانتكاسات الدبلوماسية التي توّجها تصويت مجلس الأمن الدولي لصالح المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء المغربية، باعتباره الحل الواقعي والوحيد لإنهاء النزاع.
هذا القرار الأممي التاريخي لم يكن مجرد انتصار للمقاربة المغربية، بل شكّل إعلان وفاة رسميًا لمشروعٍ ظلّت الجزائر تراهن عليه لعقود. فـ“جبهة البوليساريو”، التي وُلدت من رحم حسابات الحرب الباردة، وُلدت ميتة سياسيًا، ودُفنت نهائيًا يوم صوّت مجلس الأمن بالإجماع لصالح المبادرة المغربية. لقد انتهت صلاحية المشروع الانفصالي الذي كان يُقدَّم زورًا باسم “تقرير المصير”، بعدما أدرك العالم أن الأمر لا يعدو أن يكون أداة جزائرية فقدت وظيفتها الإستراتيجية.
تزامن ليس بريئًا: عفو صنصال بعد صفعة مجلس الأمن
جاء الإفراج عن بوعلام صنصال مباشرة بعد صدور قرار مجلس الأمن، في لحظةٍ بدت فيها الجزائر في وضع دفاعي غير مسبوق. فبينما اهتزّ خطابها الخارجي بفعل الإجماع الدولي حول المقترح المغربي، حاول النظام العسكري تلميع صورته عبر قرار “إنساني” يهدف إلى تخفيف الضغط الخارجي المتنامي.
لكن خلف هذا القرار، يختبئ واقع سياسي أكثر عمقًا: نظام يبحث عن أي منفذ لتقليل خسائره، بعد أن خسر معركته في الصحراء المغربية، وفقد احترام شركائه في أوروبا، وتراجع رصيده في الداخل. فالمؤسسات الحقوقية الدولية، التي تابعت قضية صنصال عن كثب، رأت في الإفراج عنه محاولة مكشوفة لتقديم تنازل رمزي يُظهر نوعًا من المرونة الموجهة للعواصم الغربية، لا للمجتمع الجزائري.
مشروع ميت ونظام مأزوم
لم يعد بإمكان النظام الجزائري إخفاء الحقيقة: مشروعه الانفصالي مات سريريًا منذ سنوات، لكنه تلقى شهادة دفنه رسميًا من مجلس الأمن. فحتى الدول التي كانت تُبدي حيادًا في السابق، باتت اليوم ترى في المقترح المغربي خيارًا عمليًا واستقرارًا إقليميًا ضروريًا.
أمام هذا التحول، يجد النظام نفسه في عزلة خانقة، بعدما أدرك الجميع أن خطاب “تقرير المصير” لم يكن سوى غطاء سياسي لمغامرة خاسرة. واليوم، وقد انهار هذا الغطاء، لم يبقَ أمام السلطة سوى تنازلاتٍ متتالية تضمن بقاءها في الحكم، حتى لو كلّفها ذلك التراجع عن ملفات كانت تعتبرها “خطًا أحمر”.
نظام بلا شرعية… يساوم على بقائه
في الداخل، فقد النظام شرعيته أمام شعبه الذي لم يعد يصدق وعوده ولا شعاراته. فالجزائريون يرون بأعينهم كيف تُهدر الثروات على مغامراتٍ خارجية، بينما يتدهور الاقتصاد والمعيشة. وفي الخارج، تآكلت مصداقية الجزائر الدبلوماسية حتى لدى شركائها التقليديين في أوروبا وإفريقيا، بعد أن انكشف دورها في تغذية التوترات الإقليمية.
ولذلك، يبدو أن السلطة اليوم مستعدة لتقديم أي تنازل خارجي مقابل ضمان بقائها في السلطة داخليًا. فالعفو عن صنصال ليس سوى بداية لمسارٍ أوسع من الانحناءات التكتيكية التي قد تشمل ملفات أخرى، وفي مقدمتها العلاقة مع المغرب.
خاتمة: الجزائر بين الاعتراف بالواقع والاختناق في العزلة
كل المؤشرات تؤكد أن الجزائر تدخل مرحلة جديدة عنوانها الواقعية المفروضة لا الإرادية. فالمشروع الانفصالي انتهى، والدبلوماسية المغربية انتصرت، والضغط الدولي يزداد قوة، والشعب الجزائري بدأ يدرك حقيقة من يحكمه منذ عقود.
لقد وُلدت البوليساريو ميتة، ودُفنت يوم صوّت مجلس الأمن بالإجماع لصالح المغرب.
أما النظام الذي صنعها، فهو اليوم ينكمش في عزلةٍ سياسيةٍ داخلية وخارجية، يبحث عن قشةٍ يتشبث بها في بحرٍ من الأزمات.
وعفو صنصال — بقدر ما هو قرار إنساني ظاهريًا — ليس إلا صرخة نظامٍ يختنق سياسيًا، ويحاول تأجيل سقوطٍ لم يعد أحد في الداخل أو الخارج يشكّ في اقترابه.



