السياسة على جهاز الانعاش: سقوط الحرس القديم وصعود جيل لا يرحم!

ابراهيم ادريسي
لم يعد المشهد السياسي المغربي كما كان.
لم يعد فضاء مريحا لأولئك الذين اعتادوا إعادة تدوير نفس الخطاب، ونفس الوجوه، ونفس الأساليب التي فقدت بريقها منذ زمن.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تحول عابر، بل زلزال صامت يعيد تشكيل قواعد اللعبة من جذورها، ويضع فئة واسعة من السياسيين في مواجهة لحظة الحقيقة: إما التجدد… أو الزوال.
الارتباك الذي يعيشه بعض المنتخبين ليس وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لتغير عميق في فلسفة الدولة تجاه تدبير الشأن العام.
الحديث المتزايد عن إمكانية منع ذوي السوابق التدبيرية—ممن لم يحصلوا على البراءة—من الترشح، لم يعد مجرد اشاعة عابرة، بل تحول إلى هاجس سياسي حقيقي لدى بعض الوجوه، في سياق مرحلة تتجه فيها الدولة بثبات نحو تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعيد ترتيب قواعد التنافس السياسي على أسس اكثر صرامة ووضوح.
لكن الحقيقة الأكثر إزعاجا لهؤلاء ليست في القوانين فقط، بل في انهيار صورتهم أمام الرأي العام.
سنوات من التدبير المرتبك، وقرارات محلية اثقلت كاهل الساكنة، خلقت فجوة ثقة عميقة.
خصومهم السياسيون لم يترددوا في استثمار هذه الاخطاء بذكاء، ضمن معارك قاسية لا تعترف بالاخلاقيات بقدر ما تعترف بمن يملك القدرة على التأثير. إنها حرب باردة… لكن نتائجها ستكون لا محالة حارقة.
في المقابل، يتشكل على مهل—ولكن بثبات—جيل سياسي جديد لا يشبه من سبقه.
جيل لا ينتظر التزكية بقدر ما يصنع شرعيته بنفسه. شباب متمكن، متعلم، متعدد اللغات، يتقن لغة الأرقام كما يتقن لغة الإقناع، ويعرف كيف يخاطب الداخل والخارج في آن واحد.
هذا الجيل لا يصعد من داخل القاعات المغلقة، بل من قلب الفضاء الرقمي، حيث تُصنع اليوم موازين القوة الحقيقية.
لقد انتهى زمن السياسي الذي يكتفي بخطاب شعبوي يثير التصفيق دون أن يقدم حلول. اليوم، الجمهور اكثر وعي، وأكثر قسوة في التقييم. لم تعد الكلمات الرنانة تكفي، ولم يعد “فن الكلام” بديلا عن “قوة الفهم”. من لا يمتلك مشروع واضح، ورؤية دقيقة، وقدرة على الترافع بالحجة، مصيره التآكل البطيء… ثم الاختفاء.
الدولة بدورها لم تعد تخفي رغبتها في ضخ دماء جديدة في شرايين العمل السياسي. ليس ترفا، بل ضرورة تفرضها رهانات كبرى: إقليمية، اقتصادية، وأمنية.
المغرب لا يتحرك في فراغ، بل في محيط دولي شديد التنافس، حيث لا مكان للارتجال ولا للضعف في تمثيل المصالح الوطنية و الدفاع عنها بشراسة و كفاءة و اقناع .
وفي هذا السياق، يبرز رهان أكبر وأعمق:
المغرب لا يعد يقبل بسرعتين.
فبينما تمضي المؤسسة الملكية بثبات ونجاعة و نجاحات منقطعة النظير في قيادة الأوراش الكبرى—من السياسة الخارجية إلى الأمن الروحي، ومن تحفيز الاقتصاد والاستثمار إلى توسيع ورش الحماية الاجتماعية…— تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
يصبح من غير المقبول أن يظل الأداء الحزبي والسياسي متأخرا عن هذا الإيقاع.
المرحلة تفرض حكومة ونخب سياسية قادرة على اللحاق بالركب، لا عبر الشعارات، بل من خلال تجديد حقيقي للنخب و تشبيبه يضمن الكفاءة، ويعزز جودة الإبداع، ويرفع منسوب الإقناع و الاداء.
إنها معادلة واضحة: إما انسجام مؤسساتي يسرع وتيرة الإنجاز الوطني، أو فجوة تعرقل طموح مغرب يريد أن يتقدم بلا التفات إلى الخلف.
التاريخ لن يرحم المتخاذلين.



