وجهات نظر

آمنة مراد تكتب …سيكولوجية الانتظار: حين يتحول الحق إلى انتظار دائم

في خضم كل استحقاق انتخابي، يتجدد النقاش حول أسباب تعثر التنمية وضعف الثقة في العمل السياسي وتفاقم الأوضاع الاجتماعية. وسرعان ما تتجه أصابع الاتهام نحو الدولة والحكومات والأحزاب، باعتبارها الفاعل الرئيسي في تدبير الشأن العام وصناعة السياسات العمومية. ورغم مشروعية هذا النقد، فإن اختزال أزمة التغيير في مسؤولية المؤسسات وحدها قد يحجب جانباً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بما يمكن تسميته بسيكولوجية الانتظار؛ أي تلك الحالة الذهنية والاجتماعية التي تجعل الحق يتحول تدريجياً من مطلب يُنتزع بالفعل والمشاركة إلى أمل مؤجل يُعلق على الآخرين.
فلا شك أن الاختيارات السياسية والاقتصادية المتعاقبة ساهمت في إنتاج اختلالات عميقة مست جوانب متعددة من حياة المواطنين. فالتفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة والهشاشة، وصعوبة الولوج المتكافئ إلى بعض الخدمات الأساسية، كلها عوامل تغذي الشعور بالإحباط وتضعف الثقة في جدوى التغيير. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا يحدث للمجتمع عندما يطول الانتظار؟ وماذا يحدث للإنسان عندما تتكرر الخيبات إلى الحد الذي يفقد معه إيمانه بقدرته على التأثير في واقعه؟
هنا نغادر التفسير السياسي والاقتصادي الصرف إلى مقاربة سوسيولوجية ونفسية أعمق. فبعض الباحثين يتحدثون عن مفهوم العجز المكتسب، وهو الحالة التي يقتنع فيها الفرد، بعد تجارب متكررة من الفشل أو الإحباط، بأن جهوده لن تغير شيئاً في الواقع، فيتراجع تدريجياً عن المبادرة حتى عندما تصبح فرص الفعل ممكنة. ولا يتعلق الأمر بضعف الإرادة بقدر ما يتعلق بتراكم ظروف تجعل الإنسان يتكيف مع حدود الواقع بدل السعي إلى تجاوزه.
ومن هذا المنطلق، لا يصبح الانتظار مجرد حالة ظرفية، بل يتحول إلى ثقافة اجتماعية قائمة بذاتها. انتظار الدولة لحل كل المشكلات، وانتظار المنتخب لتحقيق كل المطالب، وانتظار الجمعية لتوفير الحلول، وانتظار التغيير من الخارج دون استعداد كافٍ للمشاركة في صناعته من الداخل. وهكذا ينتقل الفرد من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، ومن الشريك في التغيير إلى المنتظر لنتائجه.
ولا يعني هذا تحميل الفئات الهشة مسؤولية الأوضاع التي تعيشها، فالهشاشة ليست خياراً فردياً، كما أن الفقر والتهميش لا ينشآن من فراغ. غير أن الاعتراف بمسؤولية السياسات العمومية لا ينبغي أن يقود إلى إلغاء مسؤولية المجتمع في مراجعة بعض السلوكات التي تعيق انخراطه في مشروع التغيير. فالتواكل، والخوف من المبادرة، والاعتياد على الحلول الجاهزة، والاستسلام لمنطق الأمر الواقع، كلها سلوكات قد تتحول مع الزمن إلى عوامل تساهم في إعادة إنتاج الوضع القائم بدل تجاوزه.
وفي هذا السياق، تبرز أيضاً مسؤولية الأحزاب السياسية والنخب الثقافية والفكرية. فالأحزاب لم تُوجد فقط لخوض المنافسة الانتخابية، بل للقيام بوظيفة التأطير السياسي وتوسيع المشاركة المواطنة وإنتاج البدائل المجتمعية. كما أن النخب مطالبة بالمساهمة في بناء الوعي النقدي القادر على مساءلة الواقع وتجاوز القراءات التبسيطية للأزمات. فكلما تراجعت أدوار التأطير والتثقيف والتوعية، اتسعت مساحة اللامبالاة والشعور بعدم الجدوى.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه مجتمعاتنا لا يكمن فقط في إصلاح المؤسسات أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل في إعادة بناء الثقة الجماعية في إمكانية التغيير. فالتنمية ليست مجرد مشاريع وبنيات تحتية، بل هي أيضاً بناء للإنسان وتحرير لطاقاته وتعزيز لقدرته على الفعل. ومن هنا تبرز أهمية المواطنة الفاعلة باعتبارها انتقالاً من ثقافة المطالبة السلبية إلى ثقافة المشاركة والمسؤولية، ومن منطق انتظار الحلول إلى منطق المساهمة في صناعتها.
إن التغيير الحقيقي لا يتحقق بإصلاح الدولة وحدها، كما لا يتحقق بتحميل المجتمع وحده أعباء الواقع. فالعلاقة بين الدولة والمجتمع علاقة تفاعل وتأثير متبادل؛ كل طرف يؤثر في الآخر ويتأثر به. لذلك فإن أي مشروع إصلاحي جاد يظل رهيناً بقدرته على الجمع بين إصلاح المؤسسات وتجديد الثقافة المجتمعية في الآن نفسه، وبين ترسيخ الحقوق وتعزيز المسؤوليات.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: من المسؤول عن تعثر التغيير؟ بل: كيف نعيد بناء إرادة جماعية تؤمن بإمكانية التغيير؟ وكيف ننتقل من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفعل؟ فالأمم لا تنهض فقط بما تمتلكه من موارد أو مؤسسات، بل بما تمتلكه من وعي وثقة وقدرة على تحويل الأمل إلى مشروع جماعي. وحين يتحول المواطن من منتظر للتغيير إلى شريك في صناعته، يصبح الحق ممارسة يومية لا وعداً مؤجلاً، ويصبح المستقبل ثمرة إرادة مشتركة لا مجرد موضوع للانتظار .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى