رياضة

جمعية الكرامة بمراكش 22 عاماً من التكوين وصناعة الأبطال ونقل المشعل إلى جيل جديد

مراكش / عادل التازي

 

منذ تأسيسها سنة 2004، اختارت جمعية الكرامة للملاكمة بمراكش أن تجعل من التكوين والانضباط والاستمرارية ركائز أساسية لمشروعها الرياضي. وعلى امتداد أكثر من عقدين، وبدعم من الجامعة الملكية المغربية للملاكمة، نجحت الجمعية في مواكبة أجيال متعاقبة من الملاكمين والملاكمات، واضعةً اكتشاف المواهب وصقلها في صلب رؤيتها.
أسس الجمعية الراحل الحاج سرور، الذي وضع اللبنات الأولى لمدرسة رياضية سرعان ما أصبحت فضاءً للتكوين وصناعة الشخصية، وليس فقط لإعداد الأبطال. فمن داخل القاعة، لا يتعلم الشباب تقنيات الملاكمة فحسب، بل يكتسبون أيضاً قيم الاحترام والانضباط وضبط النفس وروح المسؤولية، إلى جانب القدرة على تحمل المشاق وتذوق قيمة الجهد والعمل المتواصل.


وعلى امتداد هذه المسيرة، برز عدد من الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الجمعية، من بينها المحجوب المجريح ومحمد بنسيار، في تجسيد واضح لاستمرارية تقليد ملاكمي ترسخ داخل الجمعية وانتقل من جيل إلى آخر بالصبر والمثابرة.
واليوم، تتواصل هذه المسيرة تحت رئاسة كمال سغراتي، وبإشراف فني للمدرب سراي يوسف، نجل الراحل عيسى سراي، أحد الأسماء الرمزية في تاريخ الملاكمة بمدينة مراكش خلال سبعينيات القرن الماضي. ويعكس هذا الامتداد العائلي والرياضي عمق مفهوم التكوين داخل الجمعية، حيث لا يتعلق الأمر بالنتائج وحدها، بل بالحفاظ على ثقافة الملاكمة ونقل خبراتها وقيمها من جيل إلى آخر.
سعيدة لحميدي.. ثمرة مدرسة التكوين
ولعل أبرز تجسيد لنجاح هذا المشروع الرياضي والتكويني، الملاكمة المراكشية سعيدة لحميدي، التي تلقت تكوينها داخل جمعية الكرامة، قبل أن تفرض اسمها على الساحة الوطنية والقارية والدولية.
وعززت لحميدي مسيرتها الرياضية بتتويج جديد، بعدما أحرزت الميدالية الذهبية في دورة الألعاب المتوسطية بتارانتو 2026 في إيطاليا، ضمن فئة أقل من 70 كيلوغراماً، لتضيف إنجازاً جديداً إلى سجل حافل بالألقاب.
وكانت البطلة قد توجت سابقاً بطلة لإفريقيا في الملاكمة سنتي 2023 و2024، كما أحرزت لقبين عالميين في رياضة المواي تاي، الأول سنة 2022 بأبوظبي والثاني سنة 2023 في بانكوك.
وبعيداً عن قيمة هذه الألقاب، فإن مسيرة سعيدة لحميدي تحمل دلالة أعمق بالنسبة لجمعية الكرامة: فكل ميدالية تقف وراءها سنوات من التدريب والعمل والتضحيات، ومدربون، وقاعة، وهيكل رياضي قادر على اكتشاف الموهبة ومواكبتها حتى تبلغ أعلى المستويات.
ومن هذا المنظور، تمثل تجربة لحميدي واحدة من أبرز ثمار العمل التكويني الذي راكمته الجمعية على مدى سنوات، وتؤكد أن صناعة البطل تبدأ في القاعة، قبل أن تصل إلى منصات التتويج.
الملاكمة.. رياضة لصناعة الإنسان
غير أن جمعية الكرامة لا تختزل مشروعها في صناعة الأبطال أو حصد الميداليات. فالملاكمة، بالنسبة إليها، تحمل أيضاً بعداً تربوياً واجتماعياً واضحاً.
داخل القاعة، يتعلم الأطفال والشباب قيمة العمل، واحترام القواعد والخصم، والتحكم في الانفعالات، وتقبل الخسارة، والأهم من ذلك القدرة على النهوض بعد التعثر ومواصلة الطريق.
وبذلك تتحول الملاكمة من مجرد رياضة قتالية إلى مدرسة للحياة، تمنح ممارسيها أدوات تساعدهم على بناء الشخصية، وتعزز لديهم الثقة بالنفس والانضباط والقدرة على مواجهة الصعوبات.
ولعل هذه الفلسفة هي أحد الأسباب التي تفسر استمرارية الجمعية طوال 22 عاماً. فخلف كل نزال تجربة، وخلف كل انتصار ساعات طويلة من العمل، وخلف كل بطل سلسلة متواصلة من التكوين ونقل الخبرة.
22 عاماً.. والمشعل مستمر
بعد 22 عاماً من التأسيس، تنظر جمعية الكرامة للملاكمة إلى مسيرتها باعتزاز، لكنها في الوقت نفسه تواصل توجيه أنظارها نحو المستقبل. فالميداليات والألقاب تبقى شاهداً مهماً على جودة العمل، غير أن النجاح الحقيقي لأي مدرسة رياضية يقاس أيضاً بقدرتها على تكوين النساء والرجال، وترسيخ القيم، وفتح الطريق أمام أجيال جديدة قادرة على حمل المشعل.
وفي مراكش، تستمر حكاية جمعية الكرامة بعيداً عن الأضواء، في التفاصيل اليومية التي تجمع المدرب بالملاكم، وفي كل حصة تدريبية، وكل جولة، وكل قطرة عرق، وكل شاب يكتشف داخل القاعة قدرته على تجاوز حدوده.
فالمستقبل، في نهاية المطاف، لا يصنعه التتويج وحده. إنه يبدأ من التدريب، ومن الصبر، ومن الإيمان بأن الموهبة تحتاج إلى من يكتشفها ويؤطرها ويمنحها الوقت الكافي للنضج.
وبعد 22 عاماً، ربما يظل الطموح الأكبر لجمعية الكرامة بسيطاً في عبارته وعميقاً في معناه: مواصلة نقل المشعل، حتى لا يبقى الجيل القادم مجرد وعد، بل يتحول إلى أبطال يصنعون المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى