Uncategorized

حكيمة الحيطي تكتب….11.7 مليار دولار من الجالية.. “الكنز النائم” الذي قد يقلب معادلة الاستثمار في المغرب!

 

لم تعد تحويلات مغاربة العالم مجرد أرقام تُسجل في تقارير الاقتصاد الوطني، بل أصبحت واحدة من أكبر الأوراق المالية التي يملكها المغرب، بعدما تجاوزت 11.7 مليار دولار خلال سنة 2024، في تدفقات مالية تعكس المكانة الاقتصادية المتزايدة للجالية المغربية.

لكن خلف هذا الرقم الضخم يختبئ سؤال أكثر جرأة: لماذا لا يتحول جزء أكبر من هذه الأموال إلى استثمارات منتجة تخلق الثروة وفرص الشغل، بدل أن يذهب معظمها إلى تغطية نفقات الاستهلاك اليومي؟

هنا تبرز المفارقة الاقتصادية؛ فالمغرب يتوفر سنويا على مليارات الدولارات القادمة من أبنائه المقيمين بالخارج، بينما لا تزال حصة محدودة منها تتجه نحو المشاريع الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة.

والأكثر إثارة أن المناطق التي تعرف معدلات مهمة من الهجرة يمكن أن تكون المستفيد الأكبر من هذه الدينامية، خصوصا الريف والناظور والحسيمة ومناطق الجنوب الشرقي، حيث يمكن للاستثمار المرتبط بالجالية أن يتحول إلى أداة حقيقية لخلق فرص العمل والحد من نزيف الهجرة.

من التحويلات إلى الاستثمار.. لماذا لا يتم تغيير المعادلة؟

المطلوب اليوم ليس التقليل من أهمية التحويلات في دعم الأسر، وإنما التفكير في كيفية تحويل جزء منها، بشكل اختياري وآمن، إلى استثمارات تدر دخلا وتخلق وظائف وتبني مشاريع دائمة.

ومن هنا يبرز مقترح إحداث صندوق استثماري لمغاربة العالم، يكون موجها لاستقطاب جزء من مدخرات الجالية وتوجيهها نحو مشاريع إنتاجية ذات مردودية اقتصادية واجتماعية.

الصندوق، في حال إحداثه وفق حكامة قوية وشفافة، يمكن أن يوفر للجالية آليات للاستثمار الجماعي، مع مواكبة تقنية ومالية وضمانات واضحة، بما يقلل من المخاطر ويمنح المستثمر المغربي بالخارج ثقة أكبر في توظيف أمواله داخل بلده.

المعادلة تبدو واضحة: بدل أن تبقى أموال الجالية مرتبطة أساسا بالاستهلاك، يمكن تحويل جزء منها إلى مصانع، شركات، مشاريع فلاحية، وحدات سياحية، ومقاولات رقمية، خصوصا في المناطق التي تحتاج إلى استثمارات منتجة وفرص شغل جديدة.

وهذا التحول لن يخدم فقط مصالح المستثمرين من مغاربة العالم، بل يمكن أن يساهم في توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وخلق موارد جبائية، وربط التنمية بالمجالات التي عانت طويلا من الهجرة بحثا عن فرص أفضل.

إن 11.7 مليار دولار ليست مجرد تحويلات مالية؛ إنها رأسمال اقتصادي واجتماعي ضخم يمكن، إذا أحسن تدبيره، أن يتحول إلى قوة استثمارية حقيقية.

ويبقى التحدي الأساسي هو بناء الثقة، وتبسيط المساطر، ومحاربة التعقيدات الإدارية، وتوفير الشفافية والحكامة والضمانات الكفيلة بإقناع مغاربة العالم بأن استثمار أموالهم في وطنهم يمكن أن يكون مربحا وآمنا ومفيدا للمجتمع في الوقت نفسه.

فهل يملك المغرب الجرأة لتحويل “كنز الجالية” من أموال تُستهلك إلى استثمارات تُنتج؟ وهل حان الوقت لصناعة نموذج جديد يجعل مغاربة العالم شركاء في بناء المغرب العميق، وليس فقط ممولين للاستهلاك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى