مصطفى صغيري يكتب…لماذا التعاقد؟ ولماذا الآن؟ ولماذا الحركة الشعبية؟

لم تعد الأزمة الأساسية التي تواجه الأحزاب السياسية اليوم هي أزمة البرامج فقط، ولا أزمة الأفكار وحدها، بل أزمة الثقة، فقد راكم المواطن، على امتداد سنوات، قدرا كبيرا من الحذر تجاه الخطاب السياسي، وأصبح أكثر صعوبة في الإقناع، وأكثر نقدا للوعود، وأكثر مطالبة بالنتائج. لم يعد يكفي أن تقول الأحزاب ماذا ستفعل، بل أصبح عليها أن تشرح كيف ستفعل، وبأي وسائل، وفي أي آجال، ومن سيتحمل المسؤولية إذا لم يتحقق ما تم الالتزام به.
من هنا بالضبط تنبع فلسفة التعاقد الحركي.
فالحركة الشعبية لم تختر كلمة “التعاقد” بحثا عن عنوان جذاب لبرنامج انتخابي تقليدي، وإنما لأنها تريد أن تنقل العلاقة مع المواطن من منطق الوعد إلى منطق الالتزام، ومن الخطاب إلى المسؤولية، ومن إعلان النوايا إلى قياس النتائج. فالتعاقد، في جوهره، علاقة سياسية جديدة قوامها الوضوح والمحاسبة، حيث لا يعود المواطن مجرد متلق للبرنامج، وإنما يصبح طرفا في العلاقة السياسية، له الحق في أن يعرف، وأن يسأل، وأن يتابع، وأن يحاسب.
وهذا الاختيار لم يأت من فراغ، ولا هو وليد لحظة انتخابية عابرة، لقد جاء بعد خمس سنوات مارست فيها الحركة الشعبية المعارضة من موقع المسؤولية، لا من موقع الاعتراض المجاني. وقد اختارت خلال هذه الولاية أن تجعل من وجودها في المعارضة فضاء للاقتراح، والترافع، وكشف الاختلالات، والدفاع عن القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن، وتقديم البدائل داخل المؤسسات. وقد تقدم الفريق الحركي بأكثر من 150 مقترح قانون خلال الولاية الحالية، في تعبير واضح عن تصور للمعارضة لا يكتفي برفض السياسات، بل يسعى إلى إنتاج البديل.
خلال هذه السنوات، لم تكن الحركة الشعبية تنتظر اقتراب الانتخابات كي تكتشف غلاء الأسعار، أو هشاشة العالم القروي، أو أزمة الماء، أو صعوبات الولوج إلى الصحة، أو اختلالات المدرسة، أو معاناة الفلاحين الصغار، أو البطالة التي تضيق على الشباب، أو معاناة سكان الجبال والواحات والمناطق الحدودية. هذه القضايا كانت حاضرة في مواقفها البرلمانية والسياسية، وفي أسئلتها ومقترحاتها ومبادراتها.
والأهم أن الحركة لم تتعامل مع هذه الملفات بمنطق الظرفية أو المزايدة، بل بمنطق الدفاع عن المواطن في مواجهة كل أشكال الريع، والهدر، وسوء استعمال المال العام، وما يمكن وصفه سياسيا بـ”فراقشية المال العام”؛ أي أولئك الذين يتغذون من ضعف الحكامة، ومن غياب المحاسبة، ومن اقتصاد الامتيازات، ومن تحويل السياسة العمومية إلى مجال للاستفادة الخاصة بدل خدمة الصالح العام.
لكن مواجهة “الفراقشية” لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بتحويل السياسة إلى خصومة دائمة، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وشفافة، وقادرة على القياس والمحاسبة. ولهذا فإن التعاقد الحركي لا يكتفي بإعلان المواقف، بل يربط كل إجراء بمنطق للتنزيل، والتمويل، والحكامة، والتقييم، ومؤشرات للنجاح. فالمعركة الحقيقية ضد الريع والفساد والهدر لا تحسمها الخطابات المرتفعة، بل تحسمها قواعد واضحة، ومؤسسات فعالة، ومواطن يعرف أين تصرف أمواله وما النتائج التي تحققت بها.
لماذا الآن؟
لأن المغرب دخل مرحلة لا تسمح بتأجيل الأسئلة الكبرى.
إن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والديمغرافية التي يعرفها المغرب تفرض إعادة النظر في طريقة بناء السياسات العمومية. لم يعد ممكنا الاستمرار في إدارة الأزمات بعد وقوعها، ولا في معالجة النتائج دون الأسباب، ولا في بناء برامج مركزية لا تراعي الفوارق بين الجهات والمجالات.
ولهذا فإن “الآن” ليست مجرد لحظة انتخابية، بل لحظة سياسية تستدعي انتقالا في طريقة التفكير نفسها: من إدارة الانتظارات إلى صناعة الحلول، ومن تشتت المبادرات إلى وضوح الأولويات، ومن منطق الإعلان إلى ثقافة الأثر والنتيجة.
وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة “جا الوقت”.
جا الوقت لأن المواطن لم يعد يريد أن يسمع نفس الوعود بصيغ مختلفة.
وجا الوقت لأن السياسة يجب أن تستعيد معناها كمسؤولية.
وجا الوقت لأن الجهات والمجالات التي ظلت لسنوات تنتظر نصيبها من التنمية لا يمكن أن تستمر في الانتظار.
وجا الوقت لأن الطبقة الوسطى تحتاج إلى الحماية، والشباب إلى الفرص، والفلاح إلى الإنصاف، والمرأة إلى التمكين، والعالم القروي والجبل والواحة والمناطق الحدودية إلى سياسة عمومية تنظر إليها كمجالات للإنتاج والثروة، لا كمجالات تحتاج فقط إلى فك العزلة.
ولماذا الحركة الشعبية؟
لأن هوية الحزب السياسية تجعل كثيرا من القضايا التي أصبحت اليوم في صلب النقاش الوطني جزءا من نضاله التاريخي.
فالحركة الشعبية لم تكتشف العدالة المجالية اليوم، ولم تتبن قضية العالم القروي والجبل والواحات لأن الظرف الانتخابي فرض ذلك. لقد كانت هذه القضايا في صلب تكوينها السياسي، مثلما كان الدفاع عن الأمازيغية والتعدد الثقافي واللغوي، وعن تكافؤ الفرص، وعن اللامركزية والجهوية، وعن الفئات التي لا يصل صوتها دائما إلى المركز.
ولهذا فإن قوة التعاقد الحركي لا تكمن فقط في ما يحمله من اختيارات والتزامات، وإنما أيضا في الاستمرارية بين هوية الحزب التاريخية وأسئلة المغرب الجديد
الحركة الشعبية اليوم لا تقول للمغاربة إنها تبدأ من الصفر، فهي تحمل رصيدا من التاريخ والمواقف والنضالات، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تجعل من الماضي وحده مصدر مشروعيتها السياسية. فالأحزاب الحية لا تستمد قوتها فقط مما راكمته عبر تاريخها، وإنما من قدرتها على قراءة تحولات المجتمع، والإنصات لانتظارات المواطنين، وتجديد أفكارها وأدواتها، وتقديم أجوبة سياسية واقعية عن أسئلة الحاضر ورهانات المستقبل. ومن هذا المنطلق، تسعى الحركة الشعبية إلى أن تجعل من رصيدها السياسي والنضالي أساسا لتجديد عرضها السياسي، وربط هويتها التاريخية بقضايا المغرب اليوم، وبما ينتظره المواطن من وضوح في الاختيارات، وجرأة في المواقف، ومصداقية في الالتزام.
لقد قضت الحركة الشعبية خمس سنوات في المعارضة، لكنها لم تتعامل معها باعتبارها فترة انتظار للعودة إلى الحكومة، وإنما باعتبارها اختبارا للقدرة على بناء البديل. وهذه نقطة مركزية في فهم التعاقد الحركي: فالحزب الذي يريد أن يطلب من المواطن الثقة في الغد، يجب أن يثبت أولا ماذا فعل حين كان خارج السلطة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل لدى الحركة الشعبية برنامج؟
السؤال هو: هل راكمت ما يكفي من المواقف والاقتراحات والتجربة كي تقدم نفسها كبديل؟
والجواب عن هذا السؤال لا ينبغي أن يصدر عن الحزب وحده، بل عن حصيلة مواقفه ومبادراته واقتراحاته خلال سنوات المعارضة؛ لأن مشروعية البديل لا تصنعها الشعارات، وإنما يصنعها الرصيد والممارسة والقدرة على تقديم الاختيارات القابلة للتنفيذ.
إن التعاقد الحركي لا يقدم نفسه باعتباره وعدا بأن كل شيء سيتغير بسرعة، ولا يدعي أن الإصلاح خال من الصعوبات. قوته في أنه يقدم التزاما أكثر تواضعا وأكثر جدية في الوقت نفسه: أن تكون الكلمة واضحة، وأن تكون المسؤولية محددة، وأن يكون الإنجاز قابلا للقياس، وأن يكون للحزب الشجاعة السياسية ليقول للمواطن ماذا تحقق، وماذا تعثر، ولماذا، وهذا بالضبط ما تؤكد عليه الوثيقة الأصلية للتعاقد حين تربط الثقة بالمصداقية والإنجاز والمساءلة.
السياسة ليست مسابقة في عدد الوعود، وليست سوقا لتوزيع الآمال قبل الانتخابات، السياسة في معناها النبيل هي التزام، ومسؤولية، واختيار، ونتيجة.
ولهذا، حين تسأل الحركة الشعبية نفسها: لماذا التعاقد؟ فالجواب لأن زمن الوعود المفتوحة يجب أن ينتهي.
وحين تسأل: لماذا الآن؟ فالجواب لأن تحولات المغرب وانتظارات المغاربة لم تعد تسمح بالتأجيل.
وحين تسأل: لماذا الحركة الشعبية؟ فالجواب لأن الحزب الذي راكم خمس سنوات من المعارضة والاقتراح والدفاع عن المواطن، ومن مواجهة الريع والهدر و”فراقشية المال العام”، مطالب اليوم بأن يحول ما دافع عنه في المعارضة إلى التزامات واضحة أمام المغاربة.
فالمعارضة الحقيقية لا تكتمل بالنقد، وإنما حين تتحول إلى بديل، والتاريخ السياسي لا تكون له قيمة إلا عندما يتحول إلى مشروع للمستقبل. أما الثقة، فلا تُطلب من المواطن؛ بل تُستحق أمامه.
بقلم: مصطفى صغيري
دكتور في القانون العام والعلوم السياسية





