وجهات نظر

عبد الباسط لطفي يكتب،،،،بين مؤشرات النمو وأمواج سبتة… الإنسان أولاً وأخيراً

لعل من أكثر المشاهد التي تدعو إلى التأمل، تلك المحاولات المتكررة للهجرة نحو سبتة المحتلة. فهذه ليست مجرد أرقام تُسجلها التقارير الأمنية، ولا مجرد حوادث موسمية مرتبطة بالطقس أو بالعطل، بل هي، في جانب منها، رسالة اجتماعية تستحق الإصغاء
قد تُبهرنا الأرقام، وقد تملأ التقارير صفحاتها بمعدلات النمو، وحجم الاستثمارات، وعدد السياح، وقيمة الصادرات، وترتيب الاقتصاد في المؤشرات الدولية. غير أن السؤال الذي يظل أكثر إلحاحاً من كل الأرقام هو: *أين الإنسان من كل هذا؟*

فالدول لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق وموانئ ومصانع، ولا بما تجذبه من رؤوس أموال، وإنما بما توفره لمواطنيها من كرامة وعدالة وأمن اجتماعي، وبقدرتها على أن تجعل المواطن يشعر بأن الدولة وجدت من أجله، لا أن يكون هو مجرد رقم في تقاريرها السنوية. وعلى اثره فالتنمية الحقيقية ليست نمواً اقتصادياً مجرداً، بل هي استثمار في الإنسان. فالاقتصاد قد ينمو، لكن البطالة قد تبقى مرتفعة، والاستثمارات قد تتضاعف، بينما يستمر المواطن في البحث عن علاج، أو مدرسة جيدة، أو فرصة عمل تحفظ كرامته. وقد ترتفع الصادرات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ثمارها وصلت إلى الأسرة المغربية البسيطة.

الإنسان هو العمود الذي يحتاج إلى مستشفى يحفظ حياته قبل أن يحتاج إلى تقرير يتحدث عن نسب النمو. وهو الذي ينتظر مدرسة عمومية تمنح أبناءه فرصة عادلة للمنافسة، وقضاءً يطمئن إليه عندما يطلب الإنصاف، وإدارةً تحترم كرامته، وسوق شغل يكافئ الكفاءة لا العلاقات. و منه فلا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة إذا فقد المواطن ثقته في المؤسسات، أو شعر بأن الفرص لا تتوزع بعدالة، أو أن النجاح رهين الوساطة أكثر من الاستحقاق. فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة، والعدالة هي الضمانة الأولى للاستقرار، والكرامة هي أساس الانتماء الوطني.

كما أن التحديات الديمغرافية المقبلة تفرض إعادة ترتيب الأولويات. فارتفاع نسبة الشيخوخة حيث سنة 2030 يبلغ معدل الشيخوخة حوالي 24٪ وبالتالي المغرب سيفقد ربع سكانه ، و كذلك تراجع النمو الديمغرافي، والضغط المتوقع على أنظمة التقاعد والصحة والحماية الاجتماعية، كلها مؤشرات تؤكد أن الاستثمار في الإنسان لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل البلاد. وعليه فبناء الإنسان يبدأ من الطفولة، بمدرسة جيدة، وتغذية سليمة، ورعاية صحية لائقة، وفضاءات للثقافة والرياضة، ثم يمتد إلى توفير فرص الشغل، والسكن الكريم، والحماية الاجتماعية، واحترام الحقوق والحريات في إطار القانون. فكل درهم يُستثمر في الإنسان يعود أضعافاً على الاقتصاد، بينما كل تقصير في حقه يصبح كلفة باهظة تؤديها الأجيال القادمة.

إن المرحلة الراهنة تستدعي أن تكون كل السياسات العمومية، وكل البرامج التنموية، وكل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، موجهة نحو هدف واحد: *الارتقاء بجودة حياة المواطن المغربي*. وهنا إن يكون الإنسان في صدارة الأولويات، تصبح التنمية أكثر عدلاً، والاقتصاد أكثر قوة، والدولة أكثر استقراراً.

لقد آن الأوان لأن يصبح شعار المرحلة واضحاً:*الإنسان… ثم الإنسان… ثم الإنسان.*

فالأوطان لا تنهض بالإسمنت وحده، ولا بالأرقام وحدها، وإنما تنهض حين يشعر كل مواطن أن كرامته مصونة، وأن حقه محفوظ، وأن مستقبله ومستقبل أبنائه هو الغاية الأولى لكل مشروع تنموي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى